عاجل

البث المباشر

د.منصور الشمري

اكاديمي متخصص في الجماعات المتطرفة والارهاب

قراءة في حياة سنوك هُرْخرونيه

المستشرق السياسي وعالم الدراسات الإسلامية واللغة العربية سنوك هُرْخرونيه من مواليد هولندا, ولد عام 1857.كان مستشاراً متميزاً في الأمور الإسلامية والعربية بوزارة المستعمرات الهولندية, برز في الإستشراق وله تلاميذ يعتبر أشهرهم ڤنسنك الذي كان أول إنتاج علمي له رسالته العلمية التي حصل بها على درجة الدكتوراه سنة 1908 والتي تحمل عنوان ( محمد واليهود في المدينة ), هذا التلميذ المتميز قد إستعان بعدد من العلماء من مختلف الأوطان بلغ عددهم 38 عالماً لوضع المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي على الترتيب الهجائي, الذي يُعتبر اليوم مرجعاً علمياً مهماً لمشيخة الإسلام, وتم دعم هذا المشروع الضخم مادياً من هولندا وعدد من الكليات الأوروبية المهتمه بهذا الجانب العلمي. يعتبر هُرْخرونيه تلميذاً للمستشرق المشهور وأحد أعمدة الإستشراق الهولندي دي خويه الذي تعلم منه اللغة العربية والعلوم الإسلامية, وحتى نعرف قوة التسلسل العلمي ومتانته فلقد كان أستاذ دي خويه هو المستشرق رينهارت بيتر آن دوزي, الذي أتقن اللغة العربية مبكراً وأهتم بالشعر الجاهلي, ويُذكر أن جامعة ليدن في هولندا طلبت من المستشرقين تأليف رسالة في ( ملابس العرب ) ووضعت جائزة لأفضل مؤلف بذلك, ولقد قام رينهارت بالتأليف للمنافسة وهو طالب وفاز بالجائزة وعمره آنذاك 22 سنة, ويعتبره المستشرقين أول فاتح للدراسات الأندلسية, ويجد المتابع أن الإستشراق الهولندي يهتم بالشأن العربي كاللغة العربية والملابس والصناعة, بل أن هولندا وضعت أول كرسي بالجامعات للدراسات العربية, وسبب ذلك أن هولندا تنطلق بدوافع تنصيرية بابوية كاثوليكية. مايتعلق بسنوك هُرْخرونيه فلقد أرسلته الحكومة الهولندية لجمع معلومات عن الحجاز تحديدا, فأقام أولاً في جدة وتعلّم اللهجة المحلية, وإعتنق الإسلام وقام بإجراء عملية الختان التي توجبها الشريعة الإسلامية على كل مسلم بالولادة أو من يدخل في الديانة الإسلامية, وتزوج بمكة من فتاة جاويّه كان يستخدمها لمساعدته للدخول في الحياة الإجتماعية العامة والخاصة لأهل مكة, ولقد قال عنه عبدالرحمن بدوي في موسوعة المستشرقين " وصل إلى مكة في يوم 22 فبراير 1885- كان عمره 28 سنة - تحت ستار اسم مستعار هو: عبد الغفار, وأقام بمكة طوال ستة أشهر، كانت ثمرتها كتابه الرئيسي عن: «مكة», لكنه طرد من مكة في شهر أغسطس " وهذا يعني قبل شهر الحج وله كتاب مشهور عن مكة من جزئين والذي تحوي مكتبة جامعة أم القرى بالسعودية نسخة منه, أما مايتعلق بالحج وهو محور رسالته في الدكتوراه فقد إعتمد في كتابته عن الحج تحديدا على المخطوطات والأخبار وغير ذلك لكن لم يكن مشاهده منه, ولقد خلص برسالته إلى أن الحج من بقايا الوثنية العربية. كان سنوك ذكياً جداً فلقد أقام علاقات واسعة مع بعض العلماء في مكة, وكانوا يلقبونه بـ ( شيخ الإسلام ), وهناك روايات تفيد بأنه تزوج من إبنة أحد القضاة المسلمين وأنجبت له ولداً. إهتم هُرْخرونيه بالفكر والتطور الديني والسياسي للإسلام ولم يكن مهتماً بالتنصير وإنما غلبت عليه ميوله الإستعمارية بالدرجة الأولى إلا أنّ البرفسور علي النملة يقول في كتابة " المستشرقون والتنصير " أن سنوك أسهم في الكتابة لمجلة العالم الإسلامي, وهي مجلة تنصيرية صدرت عام 1911, وتعتبر مجلة العالم الإسلامي تنصيرية صِرفه تختلف عن المجلة الفرنسية ودائرة المعارف الإسلامية (Encyclopadia of Islam) بأن هدفها الرئيس هو تنصير المسلمين, ويبدو من خلال التتبع أن إهتمام هُرْخرونيه بالتنصير لم يكن عملاً أساسياً بسبب إنشغاله كمستشار وهذا يُرى بوضوح, فكتبه العلمية قليلة مقارنةً بأساتذته وتلاميذه وكان يستغل وقت فراغه بكتابة بعض المقالات التي وصلت إلى أكثر من 100 مقال, وهي مقالات لا ترتقي للعلمية الخالصة. كان سنوك هُرْخرونيه متميزاً بالدراسات الإسلامية لذلك إستخدم تميزه هذا بالتخطيط لمساعدة الإستعمار الهولندي آنذاك لتمزيق الحركة الشعبية المناهضة للإستعمار الهولندي في إقليم آتشيه في إندونيسيا الذي قتل منه قرابة 100 ألف, والجدير بالذكر أن هُرْخرونيه عاش بهذا الإقليم كمسلم كما ذُكر عنه أيضاً أنه كان يصلي بالناس إماماً, ويعتبر هُرْخرونيه هو أول من ربط الإستشراق بمصالح الدولة الهولندية, وكان مخلصاً لدولته حتى أنه كان يعتقد أن أي قوة إسلامية تقف بوجه المد الإستعماري الهولندي فيجب أن يقضى عليها دون مسامحة, ولقد ذهب بعض النقاد إلى أن هُرْخرونيه لم يعتنق دين الإسلام إطلاقاً كما يشاع عنه وإنما إدعى ذلك ليسهل عليه الدخول في المجتمعات المسلمة كأندونيسيا تحديداً لتسهيل عملياته التجسسية لصالح هولندا, ويُذكر عنه أنه قرر أن يدعي الإسلام في إندونيسيا ويعيش مع العرب الحضارمه ويعرف تفاصيل حياتهم تمهيداً للسفر إلى مكة المكرمة التي نجح خلال ستة أشهر تقريباً من إختراق علمائها وأعيانها, ولفظة ( إختراق ) هنا جاءت بسبب أن أمر سنوك كشف قبل الحج وتم إخراجه من مكة, ومن أبرز أهداف سنوك التي عمل عليها طويلاً أنه كان يخطط لربط السياسة والثقافة في المجتمعات الإسلامية تحديداً بمحتوى غربي تحت شعار الوحدة الثقافية. يكاد يتفق النقاد على أن سنوك هُرْخرونيه قدم لهولندا إنجازات كبيرة وقام بأعمال ضخمة وهو في العشرينيات من عمره, ولقد إستفاد من تبني حكومته له وأساتذته في بناء حياة فلسفية يستطيع أن يديرها بإحتراف, كما كان يتميز بوجود هدف يعمل عليه دائماً لخدمة هولندا آنذاك وهي تصارع الإنتشار الإسلامي في إندونيسيا بالإغراء المادي والعقوبات التي كانت المستعمرة الهولندية تطبقها كالإعدام والقتل والتنصير, إلا أن كل تلك الجهود التنصيرية الإستعمارية لم تحقق نجاحاً حقيقياً على الواقع الاندونيسي, فتعتبر إندونيسيا اليوم أكبر دولة إسلامية بالعالم, توفي المستشرق والسياسي سنوك هُرْخرونيه وله من العمر 79 عاماً.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات