عاجل

البث المباشر

جرائم الأكاديمي

أحيانا، أشعر أن الأكاديمي حين يحول الماضي وشخوصه ــ وإن كانوا علماء من مجتمعات أخرى ــ إلى «مثيولوجيا» أسطورة لتلاميذه، لاعتقاده أنه بهذه الطريقة يصنع نماذج لتقلدها الأجيال الجديدة، هو في الحقيقة يرتكب جريمتين، واحدة في حق المنهج العلمي للأكاديميات التي وإن لم تستطع إلغاء «الأساطير» من ثقافة المجتمعات، إلا أنها لا تسمح للأسطورة أن تدخل للجامعات متنكرة بثوب الحقيقة، فيحاول الأكاديمي تمريرها أو هو يرويها لطلابه على أنها حقيقة، والثانية في حق تلاميذه أو الجيل الجديد، إذ أن أسطرة العلماء القدامى أو رواية الأساطير عنهم على أنها حقائق، تشعر التلاميذ بدونيتهم أمام هؤلاء العلماء الذين تم تحويلهم لكائنات أعلى من البشر.
روى أحد الأكاديميين لطلابه قصة عالم الرياضيات الألماني «يوهان كارل جاوس 1777م ــ 1855م»، هذا العبقري الذي أثر كثيرا في علم الرياضيات، ولم يحدثهم عما بذله من جهد وتعب وبحث علمي ليصل إلى «النظريات والإحصاء والتحليل الرياضي والهندسي...وو إلخ» ، بل حدثهم عن أسطورة حولته لعبقري.
إذ قال حرفيا: «وهكذا فإن ذلك العالم العبقري ما زال يؤثر في عالمنا رغم وفاته منذ 150 عاما، ولم تذهب صفعة المدرس عبثا»، بمعنى أن «كف» المدرس هو من ولد هذه العبقرية، مع أن الصفعة تمتهن كرامة الإنسان.
للأسف، لم يكن هناك تلميذ مشاغب أو «وقح إذ يعترض الأصغر سنا على الأكبر» ــ كما يقال؛ ليقول لمعلمه: «شكلك يا دكتور متأثر بأفكار جدي، فقديما كان يطلب مني وأنا طفل أن أصفع التلفزيون (الصندوق) من الجانب لتصفية الصورة، وأنت مثله تعتقد أننا لو صفعنا الطفل مثل التلفزيون سيرتج عقله ويصبح عبقريا»، أو أن يقول وقح ثانٍ «يا دكتور من أول ما دخلت للمدرسة والمعلمون يصفعونني وكدت أن أصبح متخلفا وليس عبقريا»، أو أن يسأل وقح ثالث معلمه: «تعتقد يا دكتور لو أن معلم (يوهان كارل جاوس) صكه مخمس على خده الثاني كان ممكن يصير عبقري بالكيمياء أيضا»؟
خلاصة القول: إن تعزيز أسطورة «الصفعة والتفاحة التي توحي بأنها المسؤولة عن اكتشاف الجاذبية»، وكل ما هو ماضٍ بشخوصه لتحويلهم إلى نماذج مقدسة وغير قابل للنقد من قبل الأكاديمي، ما هي إلا جرائم ترتكب بحق تلاميذه.

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات