المنهج التعليمي والرسم..

مها محمد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

إن العلم يرتبط بكل أقسام الحياة بما فيها الطبيعة، ويعتبر "بيير فرانكاستل" الفن شكلاً من أشكال التقنية، ويشير أيضاً إلى أن الفن يمثل مجال الممكن ومن خلاله يكشف الإنسان عن رغبة دفينة في تنظيم الأشياء من جديد واستئصال القبح منها، وجعل العالم أكثر قوة وملاءمة وإنسانية، وكذلك الحال مع نيتشه يرفض أن يكون الفن للفن، معتبراً أن الفن أكبر منبه من أجل الحياة وجمالها.

فإذا كان الرسم يعتبر نشاطاً إضافياً في المنهج التعليمي، وخارج علاقات العلم، ويتم تنفيذه بشكل منعزل، سيظل تبعية ذات ضوء خافت في الخطة التعليمية، فلن يكون له دور كبير أو رغبة أكيدة في خدمة أغراضه الفنية. وتطلعه إلى الفاعلية والإبداع وتطوره التقني واليدوي.

ومن أروع ما قال الفلاسفة: إن الفن استقطاب للأحوال الوجدانية، كالخوف، والأمل، والوحدة، ووزيرنا الأمير خالد الفيصل شاعر وأديب وصاحب فن وذوق راقٍ، وله مساهمات شعرية وثقافية متنوعة، رسم لوحات رائعة بمحاذاة القصائد التي أثرت الموسوعة العالمية للشعر، نأمل أن يثري هذا الجانب، ويجعله ضمن المنهج التعليمي كمادة أساسية لها دور كبير.

ففي المجتمع الإنساني تولد الفنون بجميع أنواعها، وتكمن في تكييف الطبيعة والأدوات والآلات، فالفن إبداع ذاتي يحتاج إلى مناخ مناسب وإعداد جيد، لأن الرسم يستحضر الحواس ويهذب الذوق العام، مما جعل "ليوناردو دافينشي" يوجد مساحات لكل الأشياء المرئية، وألوانها، وأشكالها، وخصائصها، فيقول: (العين تخطئ أقل مما يخطئ الفكر، لأن الرسام يريد أن يرى جمالاً يفتنه، إذ هو سيد الموقف وله القدرة إذا ما أراد أن يستحضر وحوشاً مرعبة أو مناظر ساخرة أو أخرى جميلة خلابة).

فالرسم والمسرح من أعظم الفنون، ولهما فعالية إبداعية وليست محاكاة فقط، وبالتالي نستطيع القول إن الريشة تولد حساً إبداعياً لدى الطلاب، وكذلك النشاط المسرحي، فإذا تمت معالجة هاتين المادتين على اعتبارهما قيمة كبرى وعودة لامعة على الذات. يتقبلها الطلاب من بداية الصفوف الأولية إلى صفوف المرحلة الثانوية لما لها من إبصار وإبداع، وإيقاظ الطبيعة في العقول وجمالها السحري، فالعمل اليدوي محرض للنشاط العقلاني الذي يستحث الحواس على وفرة الأفكار والتأمل وهزيمة الفراغ، فاللون والصورة والنور تنتمي لتلك الطبيعة الخلابة، والتي لابد من محاكاتها كمعطى يتجاوز الواقع.

وفي نطاق الروتين التعليمي المتكرر الخالي من التجديد، يدرك الفرد حينها أنه ضمن قائمة الاستعباد التعليمي والفكري، الذي يحجم القدرة على الإنتاج، ويعمل على تشتيت أجزاء ملهمة ومهمة في الحياة، أسدل عليها ستار يخفي خلفه كثيراً من التباسات المفاهيم، إن الجيل اليوم بحاجة ماسة إلى فسحة ذهنية تشيّد عليها أبراج عاليه من الخيال.

فالفن كما قال "فرويد" (إنما هو تصعيد للطاقة المكبوتة، وإشباع للرغبات، التي لا يستطيع الإنسان إشباعها في الواقع، والعمل الفني والحلم نتاج اجتماعي).

قد تكون محاولة رامية إلى تكثيف التأثير. وإيجاد نزهه للعقول لكي تبتهج، وتدرك معنى الحياة، ولها مظهر منطقي، وبراهين يجسدها الرسام أو الفنان وإحساس وإدراك وقناعة تأملية، لأن الأعمال الفنية تحتاج إلى وسائط إعلامية جديدة، ونوبة متميزة لفهم المستجدات التي تغذي التنمية على أرض الواقع.

إننا نبحث عن الرؤى الأرحب، ومنح فرص لتفريغ الشحنات السلبية، لدى الطالب على اللوحات، والتمرد على الألوان، ومنحه جرعة من الحرية لكي يعبر عن رغباته، لأن التفاوت كبير بين تشدد الماضي وانسيابية الحاضر، مما أحدث فجوة في النفوس ما بين الأهالي والطلاب أو الطالبات وانعكس سلباً على رغباتهم، فالعلم جامع شامل لكل العلوم بما فيها الفنون.

نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.