الانتظار على بند المعاصي

عبدالله بن بخيت

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

قرأت كما قرأ كثير غيري بيان وزارة الداخلية الذي تعلن فيه إحباط مخطط لإعادة تنظيم القاعدة. لا أعلم المدى الذي بلغه هذا التنظيم قبل أن يتم إلقاء القبض على أعضائه ولكن ما أعلمه حق العلم أن مثل هذه المخططات سوف تستمر إذا استمر تجاهلنا الرجال والنساء الذين يشكلون البنية التحتية لمخرجات هذا النوع من الإجرام.

جيل الصحوة انتهى. جاء جيل أسوأ منه. سبق أن تحدثت عن نموذج السمبتيك. شباب لا علاقة لهم بالأساليب القديمة التي كانت تتبعها الصحوة في تجنيد الاتباع. سمعنا أن القاعدة تشظت هي في الواقع لم تتشظ بل تشبحت. أصبحوا بيننا وفي بيوتنا دون أن نراهم. تحولت إلى العمل السياسي ذي الصبغة الدينية الفضفاضة. كان على المنتسب للفكر الصحوي أن يلتزم بمجموعة من الشروط صعبة التنفيذ. لحية وتقصير ثوب وهجرة مجتمع ومعادة الفن والرياضة وتكسير التلفزيون الخ. كان الإخوان يقودون المجتمع تحت غطاء الدروشة الدينية. هذا النموذج انتهى ومستحيل استحداثه. عدد قليل على استعداد أن يحرم نفسه من المتع الجديدة. جاء دور السمبتيك. السمبتيك هو إحلال فكر الإخوان الديني داخل الشبان الصغار كبديل للفكر الصحوي الساذج. تأسيس جيل يخدم أهدافاً سياسية تحت مفهوم ديني حتى وإن كانوا غير متدينين. باختصار يمكن أن تجد شاباً صغيراً يقضي إجازته في دبي ويصفف شعره على أحدث موضة وجواله مشبع بالصور البذيئة ولكنه في الوقت نفسه من أكبر المؤيدين لشيوخ الفتنة.( كمؤيدي الإخوان في مصر). هذا الشاب يمكن أن أسميه الخلية الشبحية أو كما سميته من قبل اللحية الداخلية. معد ومجهز ومتروك يتمتع بحياته الشخصية ولكن تحت بند (المعاصي). يبدو هذا البند كتسهيلات حياتية ولكن وظيفته أيضاً تغذية الشاب يومياً بالإحساس بالذنب والشعور بالاحتقار: (أحب الصالحين ولست منهم). شاب يدين نفسه ويحقرها فداء لشيوخه. تتصاعد أزمته الداخلية في التناقض الذي يغذي روحه. لكن لا يمكن لأي إنسان أن يستمر في العيش بالتناقض. عندئذ في لحظة سيكون جاهزاً للتكفير عن الذنوب. أي جاهز يفتدي التيار بنفسه.

من أين جاء هؤلاء الشبان وعلى يد من تربوا. هؤلاء الذين تشاهدهم في دبي في بلاد الابتعاث حتى في أماكن اللهو غير البريء. واحدهم لا يعرف أن المسافة بين معاصيه وبين الحياة الطبيعة هي فترة الشباب القصيرة. فالدين الذي تم تغذيته به هو أقصى درجات التطرف (الجهاد وكره الآخرين والاستعداد للموت). هذا الحجم الهائل من التدين لا يتفق مع رغباته الفطرية كإنسان. تتصاحب هذه الشخصية مع موقف سياسي مأزوم على الدوام. يقوم على التغذية المستمرة (إن ديننا في خطر أمتنا في خطر المرأة المسلمة في خطر، التغريب). لا يوجد أي شيء في صميم حياته لا يتهدده الخطر. ما إن يحصل اعتداء على مسلم في أقصى الدنيا حتى يحوله شيوخه إلى قضيته الشخصية فتتورم أزمته أكثر، تصبح المسافة بين خطاياه وبين العودة إلى الدين الموهوم في ذهنه هائلة لا يمكن عبورها إلا بمغامرة أو بقرار انتحاري.

في السنتين الأخيرتين تمت إضافة الفكر الإخواني الأصيل إلى أجندته ليتحول هذا الشاب المأزوم من متطلع إلى الجهاد الدولي إلى متطلع إلى الجهاد الداخلي. بدأ دعاة الفتنة ودعاة الإخوان المسلمين في الداخل يضربون على وتر الخدمات والحياة اليومية. أي خطأ لأي وزير أو مسؤول يضخمونه. في محاولة لربط أزمته الدينية باحتياجاته اليومية.

أقرأ معي هذه التغريدة التي دورتها واحدة من أبرز الداعيات المتطرفات. تقول:(دولتنا ولله الحمد دولة غنية تتبرع بالمليارات للدول والشعوب الأخرى فليس من المعقول أن يعيش المواطن فيها تحت خط الفقر، الدولة قادرة والشعب محتاج). لاحظوا الربط السياسي باحتياجات الناس. شاب على هذا المستوى من التأزم: أزمة دينية (إخوانه المسلمين يقتلون ويذبحون) أزمة نفسية (بند المعاصي) ثم أزمة داخلية تُصوَّرله أن (بلاده هي أسوأ بلاد في العالم) قل لي بربك من هو خصمك الآن هذا الشاب البائس الذي ضُللَ أم هؤلاء الذين صنعوه؟

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.