مبادرة رائعة لم تنضج: من قطفها يا شيخ صالح؟

قينان الغامدي

قينان الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

لكل أم في هذه الحياة قصة، ولن تجد قصة تشبه الأخرى، فمثلما تختلف بصمات البشر تتباين تجاربهم، وهناك أمهات سطرن في حياتهن قصص كفاح رائدة، خاصة أولئك الأرامل أو المطلقات أو شبه الأرامل (وأقصد بهن أولئك النساء اللواتي أصبحن عائلات حتى لأزواجهن لأسباب مرض أو عجز أو هوى أو ضعف شخصية أو غير ذلك، وما أكثرهم)، هؤلاء الأمهات، وهن كثيرات، ضحين بشبابهن ورغباتهن من أجل أطفالهن، وتحملن الفقر والإهانة وقسوة الخدمة من أجل فلذات الأكباد حتى أصبحوا رجالا ونساء ذوي قامات ومكانات اجتماعية وعلمية، وفوق هذا كله يواصل بعضهن بحنانها وحضورها وجهدها في تربية الأحفاد، وبعضهن لقين الجحود والعقوق وأصبحن في الأربطة ودور العجزة، وألسنتهن وقلوبهن ما زالت تلهج بالدعاء لمن عق، وأعينهن تجود بالدمع اشتياقا لمن تنكر، وبعضهن...وبعضهن...إلخ، وحتى أولئك الأمهات اللواتي نعمن بأزواج من نوع الرجال، وأولاد من خيار الناس، وربما رغد عيش، حتى هؤلاء لهن معاناتهن وسبل كفاحهن وأوجاع تجاربهن، ويكفي الأم معاناة ووجعا أن تحمل وتلد وتسهر وتجوع وتقلق وتبكي هلعا على ولدها مع كل هبة ريح.
أكتب هذا اليوم بمناسبة إعلان شركة (دله البركة) ضمن برنامجها للخدمة الاجتماعية، عن جوائز مجموعها مليون ونصف مليون ريال لثلاثة فائزين في مسابقتها (بركة أمي)، والتي قالت عن هدفها إنه «إحياء القيم ومكارم الأخلاق، وتقدير للأمهات اللاتي قدمن تضحيات من أجل سعادة ونجاح أبنائهن». وقبل أن أعلق على المبادرة أود أن أدعو الله بالرحمة والمغفرة لأمي - التي لم أعرفها - ولكل أم غادرت هذه الفانية، وأطال الله أعمار الباقيات ومتعهن بالصحة والعافية. أما المبادرة التي لم أجد لها تفاصيل على (الفيس بوك) ولا غيره، فإنها في نظري متميزة ورائعة ومحرجة، نعم محرجة، بل ومحيرة، لأن هناك أمهات مضحيات قادرات على كتابة أو رواية قصص تضحياتهن، لكنهن مع كل ذلك تمنعهن عواطفهن الجياشة من جرح مشاعر من ضحين من أجلهم، ولذلك لن تجد منهن، وبعضهن على مشارف الوداع إلا: الحمد لله وكله في سبيل الحلوين والحلوات يهون! أما الحلوين والحلوات فإن لم يأنف أحدهم (أو إحداهن) من كتابة ما يعرف من تضحية أمه، فإنه قطعا لن يستطيع رصف قطع العذاب كلها، ولا وصف أنات منعطفات المعاناة كلها، ولا مواجع وهموم الليالي وإذلالات النهارات، لن يستطيع تصوير لحظات الترقب والانتظار التي عصرت روحها مرارا، ولا ابتهالات الفرح وغطارف البهجة التي اعتمرت قلبها وهالات عينيها. لن يستطيع سوى أن يكتب وعينه (عينها) على المليون: كانت أمي رائعة و...و...ربتنا ووفرت لنا ما نحتاج حتى أصبحنا مفخرة من مفاخرها و.... يارب أفوز و... و...أتوج كفاح أمي شفاها - أو رحمها- الله بمليون (دله)!! لم تحدد المبادرة إن كانت تريد مسابقة أدبية عن تضحيات أم، أو تريد قصة واقعية معاشة، فإن كانت الأولى فستنهال القصص والروايات بالكوم، وإن كانت الثانية فكيف يتم التحري والتقصي والوصول إلى العمق والتفاصيل؟ ثم لم لا تكون الجائزة فقط لأمهات على قيد الحياة سواء تقدمن بأنفسهن أو أحد أولادهن، أو من خلال آخرين يمكن العبور من خلالهم لقصص أمهات لن يروينها لا هن ولا أولادهن، وكم ستكون المفاجأة عظيمة لهن ولأسرهن.
المبادرة رائعة مبدأ وشكلا، أما مضمونها وتفاصيلها فيبدو أنها (فاكهة قطفت قبل أن تنضج)، سامح الله من استعجل في قطفها يا رجل الخير الطيب، يا شيخ صالح كامل.

نقلا عن صحيفة "مكة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.