الذاكرة الارتكاسية

هتون السويلم

نشر في: آخر تحديث:

الذاكرة لا تغدو إثباتية إلا على أساس التجديد. إن كانت الذاكرة هي القدرة على الثبات وتثبيت المعلومة وتحديد الوعي فإن النسيان بالمقابل هو القدرة على الانثبات. والانتثبات هو البدء والاستئناف لمعلومة أخرى جديدة وتدفق فعاليات جديدة موجهة ومتوجهة للمستقبل.. إذن النسيان لا يقل شأناً عن الذاكرة أوقاتاً!

الذي تشكو منه ذاكرتنا هو الامتلاء، فلا تستطيع استعادة قوتها كفاعلة في الحياة والتجديد مما يجعل حمولها ونشاطها مقصوراً على الشقاء أو الوعي الشقي أكثر من الصحة والحيوية والتوجه نحو الحياة، فذاكرة الامتلاء تعطل الاجتهاد والتجربة والتفاعل مع الوجود، وإهمال كل ما له إيجاد حلول للمشكلات، فتنعدم ركايا فوائد الذاكرة، وتتجزّر جداول السببية، بل تجدها بالاتجاه المعاكس تبحث عن سبل للالتحام إلى إرادة العدم وأردام الجمود.

وكل قوة يتم فصلها عن مزاولة نشاطها وتعطيل مسيرها الطبيعي هي قوى (انتكاسية) وإذا هي ترتكز عليها فاعليات الإنسان والحياة فهي (ارتكاسية)، والذاكرة بصفتها قوة ومتجددة مرتبطة بالحياة نستطيع أن نصنفها إما ماضي أو حاضر.. لا توجد ذاكرة للحاضر إلا أن تكون متجددة ومتدفقة، فالنسيان هو القاعدة لتأسيس أي معلومة، وهو القوة الفاعلة التي تحفز وتعيد الوعي والمحافظة على يقظته وحيوته.

والذاكرة التي نعيشها (جميعنا) هي ذاكرة ارتكاسية، تغذي ثقافة ارتكاسية مشدودة إلى الماضي، متجذّرة لنبذ الحياة. لكل من ينكر الحياة ويبخسها وتنحط حياته على اثر ذلك -إدراكاً منه أو من غير إدراك- فهاجسه هو الحفاظ على أنموذجه بجعل القوى الارتكاسية تنتصر على القوى الفاعلة، فنجد أعلى أوسمة هذه القوى هو الزهد والتفنن بتصويغات العدم!

الأمر أبعد من ذلك بكثير.. (ومحزن أيضا) أبعد من مجرد تعطيل للحياة، هو أن تتحكم هذه الذاكرة باختيارات خاطئة تقوده لنفي الآخَر أو تجاهل السبل والطرق والفرص في الحياة، وتجده يعمل جاهداً للالتحام للعدم والعجز عن توكيد ذاته في الوجود وإنجازه مقيد مغلول. ويبحث عن أقنعة وصور وقيم ومُثل عليا يتخذها مبررات يعلن باسمها الجهاد والحرب ضد الحياة وعكس تيار الوجود. وأمرٌ آخر، هو تغذية للضغينة والكراهية والوعي الشقي الذي يأبى النسيان أو انبثاق فكرة جديدة تدعو للتجاوز إلى ما هو كائن وحاضر أو على التفاعل مع العالم على أقل احتمال!

الأمر مروّع إذا المجتمع كله يخضع لثقافة ارتكاسية، وهذه الثقافة تضخ الانتكاسية والسلبية في كل شريان من شريان الحياة، ويكون المجتمع بأكمله تحت تأثير الاستيهام والتضليل الإيديلوجي، وقوة منقلبة ضد ذاتها وموجهة ضد الحياة. لن يكون ذلك سهلا إدراكة أو إثباته للعيان، لكن في حقبة من الزمن ستجد نفسك ليس مع العالم على نفس الضفاف ومقاديره ومقاييسه فارقت الزمن، ويكاد المجتمع بأسره ما يَنْدى حجره ومُغيب في جوف الزمن.

في الوقت الحاضر بدأ الفكر (ولا يصح أن ينعت فكراً) بل الثقافة الارتكاسية تتشاكل وتتباين بفضل وسائل الإعلام والانتشار الفضائي، وبدأ يصدر لنا نموذجاً ارتكاسياً بامتياز، تتفنن في الشعائر والدوغمائية.. وتفويض الذاكرة المتضخمة المتخمة بالكراهية والضغينة والعجز واتهام الآخر، ولا تفتأ بتمجيد نموذجها الارتكاسي ليل نهار، فكأننا ومن يمجد رموزا أو أصناما سواء بسواء.

ولا نحمل هوية إلا الهوية الماضوية، ونكون أعجز البشر عن النسيان!!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.