التباكي على الماضي

سامي الماجد

نشر في: آخر تحديث:

استغراق الإنسان في تخطيطه للمستقبل يحرمه كثيراً من الاستمتاع بلحظاته الجميلة الآنية، فتمر به غير متذوق لحلاوتها، لم يعطها حقها من الفرح والسرور والاستلذاذ، حتى تصبح ماضياً يتحسر على مفارقته ويتمنى عودته، وهيهات! يضيع المرء بين تحسر على ماض لن يعود، وترقب لمستقبل أفضل ربما أرجأ له فرحه واسترواحه يكنزه له، فحرم نفسه من جميل حاضره المتيقّن لأجل مستقبل أفضل متوهم. لكن هل يُتصور - حقيقةً - أن تمر بالمرء لحظة سعادة أو مناسبة فرح فيكتم فيها مشاعر الفرح والضحك والسرور توفيراً لها لمستقبل أفضل؟!

الحق أنه لا حاجة إلى الجواب على هذا؛ لأن الذي أعنيه ليس هو هذا تحديداً، بل ما عنيته هو حال (استغراق) و(انهماك) في التخطيط والإعداد للمستقبل والادخار له تجعله ينسى أخذ حقه من الاستمتاع بشبابه وصغاره وماله ومناسبات مواتية، كان يمكن أن يجعل منها لحظات جميلة سعيدة يفرح بها ويُفرِح، لولا انهماكه في الرصد للمستقبل والاشتغال والتخطيط له، ثم ذهب شبابه وكبر صغاره وتفرقوا عنه، وصار يشغلهم عنه ما كان يشغله هو عنهم يوم كانوا صغاراً، ودب إليه الوهن والمرض، وانقبضت نفسه، فأنكر الناس منه ما كانوا يعرفونه، وحينها حتماً سيدرك أنه بالغ كثيراً في الكنز للمستقبل والعمل له على حساب حاضره ولحظته.

وسيدرك كذلك أنه إنما كان يلهث خلف سراب بقيعة، بقدر ما يقرب إليه ويسعى يزداد عنه بعداً، كان وهو ابن الثلاثين والأربعين يرى المستقبل الذي يتهيأ له ويعد له عدته يبعد عنه قدر 10 أعوام، ثم تمضي الـ10 والـ20 وهو لا يزال يلهث خلف أوهام، وربما جاوز مستقبله الذي كان يعد له عدته وهو لا يشعر!

إن حاضره الذي انشغل عما فيه من مقومات الراحة والسعادة والسرور منهمكاً فيه يبني لمستقبله ويدخر يمكن تشبيهه بصبيته الصغار، يتوددون إليه ويحاولون ملاعبته وملاطفته، فيطردهم عنه تحججاً بالاشتغال بالأعمال وكسب الرزق؛ حتى إذا أرهقته السنون وأدرك أن المستقبل لا يمكن اللحاق به ما دامت الشمس تجري لمستقر لها، رجع يبحث عن صغاره فإذا هم كبار مشغولون، وإذا الذي عاد يطلبه صار ماضياً ولّى ولن يعود.

ما السبب يا ترى في تباكينا على الماضي مع أننا كنا وقته نتطلع ونستشرف المستقبل ونستبطئه، ومع أن بعضنا لاقى فيه لأواء ونصباً، وربما فقراً وشدة؟ أليس لأننا صرنا نرى فيه - بعد أن أصبح ماضياً - ملامح جمال ووجوه سعادة ما كنا نستطعمها يوم أن كنا نعيش لحظة ذلك الماضي؟!

اســـتمتعوا بجميــل لحظاتكم ومناسبات الفرح والسرور في حياتكم قبل أن تصبح ماضياً تبكون عليه.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

alhayat.com/Opinion/Sami-El-Majad/2799996/التباكي-على-الماضي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.