الحزم في التربية بين الإفراط والتفريط

سلمان العمري

سلمان العمري

نشر في: آخر تحديث:

كثير من الآباء الذين هم في الأربعينات والخمسينات من أعمارهم، تربوا ونشؤوا تربية فيها شدة وحزم، سواء من آبائهم وأمهاتهم، أو من أعمامهم وأخوالهم، أو من مدرسيهم وأساتذتهم.

بعض هؤلاء الآباء نشأت عندهم ردة فعل عكسية الاتجاه ناحية تربية أولادهم، فتجد الواحد منهم يحاول أن يجنب أبناءه أي موقف فيه شدة وحزم، مهما استلزم الأمر معالجة حازمة، ومهما كان التصرف يستدعي القسوة المعقولة؛ لتجنيب ابنه خطر الوقوع في الخطأ مرة أخرى، ناهيك عن المبالغة في دلال الأولاد من الذكور والإناث، وتوفير كل وسائل الرفاهية واللعب التي يطلبونها، بل وصل الخوف عليهم إلى حدود قد تعد مرضية.

ولا شك أن هذا النوع من التربية ينشئ جيلاً عاجزاً عن تحمل المسؤولية، ومتكلاً في كل صغيرة وكبيرة على غيره، بحيث يصبح عالة على غيره، وهنا سيدرك هؤلاء الآباء فداحة خطئهم، ويندمون حين لا ينفع الندم.

والصحيح من الناحية التربوية هو الاعتدال والتوسط، والأخذ بالصحيح من كل من وجهتي النظر المتقدمتين.

فالآباء الذين ينظرون إلى القسوة والشدة التي تربوا عليها فقط مخطئون؛ بل يجب عليهم أن ينظروا إلى كثير من النتائج الطيبة لتربية الحزم والقوة المعتدلتين، فتلك التربية أنشأت شباباً اعتمدوا على أنفسهم في سن مبكرة جداً, وشقوا طريقهم معتمدين -بعد الله- على أنفسهم وجهدهم، وأصبح عندهم كثير من الصفات والأخلاق الحميدة، من بر الوالدين، وتوقير كبار السن، واحترام العلماء والمشايخ وتوقير الكبار وذوي السلطان، وتقدير مدرسيهم ومعلميهم، وعدم الجرأة عليهم، وتقليل الأدب معهم، إلى غير ذلك، وهؤلاء الآباء هم الذين يتولون المناصب الرفيعة في الدولة ويتخذون القرارات المهمة.

أما تربية الدلع والرفاهية والكسل والتهاون، فقد بدأنا نرى نتائجها السيئة من ظهور نوعية من الشباب لا تحترم كبيراً, ولا توقر مسؤولاً ولا ترحم صغيراً, ولا تقدر أستاذاً أو معلماً, بل وصل الأمر إلى عقوق الوالدين، والإساءة إليهم، ومخالفة الأنظمة المرعية، حتى إن ذلك أصبح ظاهراً للعيان في الشوارع أثناء سياقة السيارات، وعند الإشارات المرورية، وغير ذلك.

وعلى ذلك، فإن الأمر يوجب إعادة النظر في كثير من الوسائل التربوية التي ينتهجها بعض الآباء, فإذا كانت الشدة الزائدة، والقسوة المفرطة، غير مقبولة تربوياً وشرعياً، فإن الدلع الزائد، والرفاهية المبالغ فيها، مرفوضة تربوياً أيضاً والآباء أول المتضررين من تربية الدلال، والخير في التوسط، وسلوك السبيل التربوي الصحيح، المبني على الترغيب والترهيب، فيتم تشجيع الأبناء وترغيبهم ومكافأتهم على الأفعال الحسنة والتصرفات الجيدة، والتفوق في الدراسة، وإنجاز الأعمال المنوطة بهم، لكن إذا أساؤوا فينبغي تقويمهم، ومنعهم من الخطأ, بما يقتضيه المقام، وحجم الخطأ، من الوسائل الشرعية والتربوية، يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} والله الموفق.

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

www.al-jazirah.com/2014/20140620/is12.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.