عن القتل في شوارع الرياض .. مرة أخرى

عبدالعزيز السماري

عبدالعزيز السماري

نشر في: آخر تحديث:

منذ سنوات بدأ القلق يسيطر أحياناً على مشاعري عند قيادة السيارة في شوارع الرياض، فالكثافة السكانية في المدينة وتخلف وسائل النقل الأخرى جعلت من التنقل بالسيارة أمر لا يُطاق بسبب الازدحام في شوارعها، لكن الظاهرة الأكثر رعباً من ذلك هو أن تحدث جرائم في شوارع المدينة، ثم ينفذ القاتل منها بدون حساب أو رقيب، وذلك لأسباب إجرائية، مثل عدم وجود وسائل للرقابة في شوارع المدينة، وغياب الدوريات المرورية عن بعض شوارعها..

وقد شهدت بعيني جريمة قتل مباشرة في أحد الطرقات السريعة في الرياض، وذلك عندما كنت بدون مقدمات في وسط مطاردة بين سيارتين من نفس النوع، كانت النهاية مأساة بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك عندما صدمت إحداهما بتعمد واضح السيارة الأخرى في الركن الأيمن في الخلف، مما أدى إلى انقلاب السيارة المطاردة عدة مرات، وانتهى المشهد بهروب سريع للسيارة الأخرى في المخرج الأقرب، ثم الدخول في الشوارع الداخلية في الحي المجاور.

كذلك من الظواهر في المدينة أن تشاهد سيارات من نوع مختلف، بدون لوحات، تمشي بكبرياء سطحي، وتستعرض بعدم اكتراثها لقوانين المرور، ولا تتردد أن تتوقف في منتصف الطريق لتجري حواراً في الطريق مع سيارة أخرى، وتشعر أحياناً أنهم يبحثون عن مشكلة مع السيارات الأخرى، وأنهم مستعدون لإلحاق الأذى، إن أظهر سائق سيارة عابر عدم رضاه عن ذلك الاستعراض المهين.

لا أعتقد أن تلك الظاهرة خاصة فقط بمدينة الرياض، لأن مختلف المدن الكبرى في العالم يوجد في شوارعها متمردون عن القوانين المرورية، ويستخدمون السيارة كسلاح فتاك ضد الآخرين، لكن الاختلاف أن تلك المدن تحرسها كاميرات أمنية تراقب حركة المرور في شوارع المدينة، وتسجل الأحداث بشكل مستمر، ويقدر عدد كاميرات المراقبة في لندن بحوالي مليوني كاميرا مراقبة، وتنافسها في العدد العواصم الأوربية المجاورة.

قبل عدة سنوات كتبت مقالاً عن القتل في شوارع الرياض في عام 2008 في جريدة الجزيرة، وتساءلت في المقال عن وجود جرائم وجنح في حياتنا الاجتماعية بلا عقوبات، وضربت أمثلة على هذه الجرائم من قضايا حياتنا اليومية، ومنها إيذاء الغير الذي قد يصل إلى حد الموت نتيجة التهور في قيادة السيارة.

كانت المناسبة، جريمة في حق عائلة وافدة تسير على الرصيف، حيث أصيبت الأم إصابة بالغة في رأسها، بينما بقيت الابنة ترقب بذهول ورعب منظر موت أبيها وأخيها أمام ناظريها، وهم يقضون نحبهم على رصيف أحد شوارع الرياض الفرعية، وكان السبب مطاردة سيارتين كان أحدهما يتجاوز سيارة أخرى بسرعة عالية جداً في الشارع الفرعي، و أثناء محاولته تجاوز السيارة الأخرى فقد السيطرة على مقود السيارة، ثم انحرف إلى الرصيف ليغتال آمال هذه العائلة ومستقبلها بدم بارد.

وفي الأسبوع الماضي طاردت سيارة بلا لوحات سيارة أخرى، وصدمتها عدة مرات لإحداث الإيذاء المتعمد، وكانت النتيجة كارثية، فقد انقلبت السيارة المطاردة لأكثر من مرة، لازال أحد ركابها، وهو شاب في عمر الزهور، يتلقى العلاج المكثف لحالته في العناية المركزة، وينتظر الجميع من حوله بألم وحزن ورجاء و أمل، أن يمن الله عز وجل عليه بالشفاء العاجل من الإصابات البالغة التي لحقت به، بينما اختفى الجاني من الميدان بلا عقاب.

أثناء خروجي من زيارته في العناية المركزية أخبرني أحد الأطباء المناوبين أن ثلاثة من أقربائه لقوا حتفهم في حادث كان سببه أن أحدهم قطع حاجز الإشارة الحمراء في سرعة عالية، عندها شعرت أن كلاً منا لديه حكايته المؤلمة التي قضت، أو كادت أن تقضي على أرواح بريئة، إما بسبب التهور في قيادة السيارة، أو استخدامها كآلة لإلحاق الأذى بالآخرين.

واقع العصر وظروفه تستدعي إصدار قوانين وقرارات للنيل من الخارجين عن القانون في شوارع المدينة، فالسيارة ليست فقط وسيلة نقل، بل قد تُستعمل كآلة فتاكة إذا تجاوز أحدهم قوانين السير وخالف تعليمات المرور، ثم قرر المغامرة بحياة الآخرين في سبيل إرضاء غرائز غير طبيعية، كذلك أطالب أن يتم التعامل مع هؤلاء بدون استثناءات.

فالجميع مهما كانت مكانة عائلته أو شخصه أو وظيفته، يجب أن يكون تحت طائلة القانون، وأن تطبق عليه العقوبات إذا خالف قوانين المرور، وقبل ذلك أن يتم تطوير وسائل الرقابة في الشوارع باستخدام نظام الكاميرات لمراقبة الحركة في الشوارع، وللمساهمة في القبض على أولئك الذين لديهم نزعة إجرامية، ويجدون في السيارة وسيلة للفتك بأرواح الآخرين.

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

www.al-jazirah.com/2014/20140630/ar5.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.