عاجل

البث المباشر

عبده خال

<p>روائي وكاتب سعودي</p>

روائي وكاتب سعودي

مقاطعة إيه يا شيخ

منذ القديم استخدم الناس سلاح مقاطعة السلع التي تجنح للغلاء، وهم بتلك المقاطعة استوعبوا آليات السوق الأساسية (العرض والطلب) فإن كفوا أيديهم عن الشراء فسوف يميلون بكفتي الميزان في السوق إذ يتغلب العرض على الطلب فتبور السلعة ويخضع البائع لخفض الأسعار.
وقد ظهر هذا السلاح بصورته الحديثة في أمريكا عام 1900 للميلاد مع ارتفاع أسعار اللحوم، إلا أن تراثنا حمل صيغ المقاطعة مبكرا حين جاء الناس إلى عمر رضي الله عنه وقالوا: (غلا اللحم فسعره لنا، فقال: أرخصوه أنتم! فقالوا: نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة فتقول: أرخصوه أنتم!؟ وهل نملكه حتى نرخصه!؟ وكيف نرخصه وليس في أيدينا؟ قال: اتركوه لهم».
فالمقاطعة قرار اجتماعي يتخذ حيال معاناة حياتية يواجهها الجميع في استهلاكهم، وظهرت كأداة ضغط على الدول المعادية بديلا للحروب مع اشتراط أن تكون هناك البدائل وقبل ذلك أن تكون الجماعات المقاطعة قادرة على إنتاج احتياجاتها الأساسية وتدبر توفير البدائل من دول أخرى أما إذا كان المجتمع في حاجة ماسة لتلك السلع وليس لها بدائل فحتما تصبح الدعوة للمقاطعة عقيمة وليس لها معنى.. فما لم تتوفر تلك الشروط فإن المقاطعة تغدو جعجعة بلا طحن، وقد أحدث المجتمع (جعجعة) صاخبة حيال مقاطعة دول بعينها ففشلت دعواتنا لأننا لم نحقق شرطية المقاطعة.
ولأن المقاطعة بها أضرار اقتصادية فادحة فالاشتراط المضاف أن لا يترتب عليها أضرار بالبنى الاقتصادية المحلية أو الوطنية من منشآت ومصانع وشركات مملوكة للمواطنين وفي ظل عدم توفر القوانين الحامية والمدافعة عن هذه البنى الاقتصادية نجد الرعونة في استخدام المقاطعة من قبل فئات اكتسبت حضورا جماهيريا ظنت معه أن لها الحق في استخدام هذا السلاح، ونذكر أن هذه الفئات قد تنادت ذات يوم بمقاطعة مصانع وشركات بسبب الاختلاف المذهبي وأرسلت قوائم بأسماء تلك المنتجات الوطنية وبأسماء أصحابها، وهو فعل يعد اعتداء صارخا على الاقتصاد المحلي.. ولم تقف تلك الفئات من توزيع تحريضها على المنشآت الاقتصادية المنتجة للسلع فقد سمعنا ورأينا التنادي بمقاطعة صحف بعينها وقنوات بعينها (منذ زمن مبكر)، وكل تلك المناداة لم تفلح في تحقيق رغبات المقاطعين، ففي حين تكون المقاطعة متعلقة بالاختلاف الفكري تصبح إشارة واضحة لعجز يحمله المنادي إزاء أفكار تبث وتستهلك يتفق معها البعض ويخالفها البعض إلا أنه من الضروري تداخل الأفكار وتشابكها لتفرز مركباتها التفاعلية أفكارا يرتضيها المجتمع في تسيير حياته.
ويصبح من الكوارث أن يتزعم مقاطعة منشأة إعلامية وطنية فرد واحد (وبسبب مصالح خاصة) أن يقدم على تجييش مشاعر الناس ضد تلك المنشأة بحجة حماية الدين ولأن رقة أفكار المتلقين حاضرة فإن هؤلاء الاتباع يتبرعون بترويج دعوة ذلك الفرد على أنها إسهام في محاربة الفسوق بينما لو تأمل هؤلاء المروجون لدعوة هذا الشيخ أو ذاك لاتضح لهم أن ببيت كل منا مئات القنوات التي لا تلتزم بشرط أو قيد على ما تبث وأن الباحث عن الفسوق والفجور ليس بحاجة لأن يوجه أو ترسم له خارطة القنوات التي يشاهدها إذ هي مثل الهم على القلب.
وقد يكون السبب الحقيقي لهذه المحاربة أن الصحف والقنوات المستهدفة نهجت أساليب الكشف لما تحدثه بعض الفئات من اختطاف المجتمع نحو الأنفاق المظلمة ولأنها رفضت أن تقدم هذا الشيخ أو تبروز ذاك خشية من خطابه الداعي لتعميق الكراهية بين الناس، وهنا يكون بيت القصيد.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20140701/Con20140701709581.htm

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة