حكايات الأمّهات.. و"غزل البنات"!

يحيى باجنيد

نشر في: آخر تحديث:

كان يذكر تلك «الهمهمات» التي تسكبها أمه في أذنيه، كآخر ما تبقى من حكايات قبل النوم القديمة.. تقرص بعدها «فتيلة الفانوس» فيشحب الضوء المترنح على الحائط الممتد إلى جزء من سقف الغرفة.. هياكل عملاقة تتثنّى كلما داعب الهواء شعلة الضوء المترنح في الفانوس.
أسترجع أحلاما صغيرة في مدينتي القديمة، الغافية في المساء على ضوء القمر، المشرقة منازلها البيضاء صباحا تحت عين الشمس.. تتنفس أفواه رواشينها نسمات رطّبها الندى، وعطّرها مزيج رائحة (اليود) وشجر (النيم)..!
هما رئتاها: (البحر) وشجرة (النيم).
يجود علينا البحر بنسمات أنفاسه الطرية في عزّ الصيف، وينقِّي شجر النيم الهواء (الأزيب) بسَموم وغبار الهبوب القادم من جهة الجنوب.
....
ما أكثر ما رأى على هذا السقف صورا تتعاقب بلا ترتيب، ثم لا تلبث إحداها أن تثبت.. تمثل لقطة لنهار داخلي، أو ليل خارجي، يكون جزءا من قصة تستحق أن يتكرر عرضها مرات كثيرة دون أن تفقد أهميتها.
وأعجب كيف تحتفظ هذه الصور المتدفقة على السقف حتى برائحة إنسانها ومكانها.. فيكفي أن تستحضرها وتستبقيها لتكون أنت جزءا منها!
وتتوالى اللقطات ـ حتى بعد أن نغمض عيوننا ـ فتضيف إلى القصة، التي أبطالها نحن، تفاصيل جديدة مفعمة بالتشويق!
ما عاد ظرف الزمان والمكان يحول بينك وبين أن تقفز إلى أيامك.. أولها، آخرها أو وسطها.. لكن لا يمكنك أن تحذف منها أو تضيف إليها.. وهذه الجزئية تتعلق بأمانة التوثيق.
إن حكايات الأمهات مثل روايات «السقا مات» و»غزل البنات».. لا تزال شديدة الوضوح في ذاكرتنا رغم قدمها.. كما النسخ الجيدة من أفلام (الأبيض والأسود).

نقلاً عن صحيفة "مكة"

www.makkahnewspaper.com/makkahNews/2014-02-17-09-03-10/59679#.U78zYjgU9eU

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.