عاجل

البث المباشر

خالد الفاضلي

كاتب سعودي

كاتب سعودي

دستور وزاري!

الدستور ليس من «ربعنا»، ولا بيننا وبينه علاقة دم، لأنه «أحمر أعطر جاي من ديرة بعيدة»، لذلك «ما نبغاه» لعموم البلاد، لكننا نحتاج أولاده «دويسيتيرات» صغيرة قصيرة، لكل وزارة «ادويسيتير» شوفته ترد الروح، يعني ذلك قيام كل وزارة بإعادة صياغة كل قوانينها الداخلية، وجمعها في كُتيب صغير في حجمه، كبير في تحديد مسؤوليات كل فرد فيها تجاه مجتمعه ووزارته، هذه ليست دعوة لاستيراد دستور أو كتابة جديد، بل مجرد جمع «التعاميم الوزارية» مع اللوائح التنفيذية ووضعها على طاولة أهل القانون.. لماذا؟ لأن النصوص الإدارية القديمة مكتوبة بأقلام غير قانونية، وأغلبها جاء استجابة لمس من شيطان التخبط الإداري، بينما جزء منها حكيم وعبقري، لكنه يذهب مع ريح النسيان، لأنه غير موثق إلا على ورقة فاكس، مكتوب في أعلاه «يسحب بواسطة الناسوخ»، وبات الناسوخ حالياً ممسوخاً وكل تاريخه.

تعيش السعودية وتتعايش مع ممانعة قوية ضد كتابة دستور أو دساتير للوزارات، وليس من اهتمامي حالياً المناداة بها بقدر إيماني بأن كل استقرار سياسي داخلي يستوجب أن يتضح للحاكم والمحكوم كيفية استمراره، ذلك من خلال توثيق تفاصيل علاقة كل وزارة مع المعتمدين عليها، بمن فيهم موظفو الوزارة، شريطة أن يكون الكتاب القانوني الجديد للوزارة واضحاً ورادعاً وعادلاً.

يحقق وجود قانون مكتوب داخل كل وزارة قوة ردع ضد الخطايا المهنية الكبرى (الرشوة، المحسوبية، الاختلاسات)، إذا تم رفدها بدوائر مراقبة وتحقيق داخل الوزارة بعيداً عن ديوان المراقبة، ومشروع «نزاهة»، وهما يعملان كرجال الجمارك فقط، يفتشون في حقائب الوزارات، ولا يستطيعون صناعة موظفين نزيهين ومهنيين للوزارات، بينما القانون الداخلي لكل وزارة هو سيد القول ويد الطول.

استمعتُ كثيراً لوطني يناجي ربه: «أني مسني الشيطان بنصب وعذاب» واستغلال وظيفي من بعض المسؤولين لم يجدوا في عقود توظيفهم بنوداً قانونية تقول «إن فعلت فعلنا»، أو إدارات داخلية تقول «إن غفلت وخزنا»، ففسقوا في وظائفهم وتجبروا، وأجبروا آخرين على تحقيق رغباتهم بقوة الكرسي.

نوع من الاستغلال الناعم، وهي خطيئة لها جزاء في أوروبا وأميركا تشمل السجن أولاً، ثم الالتحاق إجبارياً «داخل السجون وعلى أيادي المساجين وأرجلهم» بدورات تدريبية وتطبيقية وتثقيفية حول معايشة الاستغلال وأوجاعه جسدياً ونفسياً.

إن الاستغلال الوظيفي إشارة إلى أن ضعفاء النفوس يستمدون قوتهم من كراسيهم، نهاراً جهاراً يحدث ذلك، وكأن المناصب تجاور الراتب بصكوك غفران عن إذلال إنساني ترفضه الفطرة البشرية.

تمنحنا كتابة دستور وزاري لكل وزارة الرهان على أن لكل مفسدة عقاباً، وأن الوظائف «الحكومية منها خصوصاً» متصلة بمشنقة حال اختلاس، أو الارتشاء بسهولة شرب الماء كما يحدث حالياً في بعض الأجهزة الخالية من قوانين واضحة لمعاقبة كل مرتش وخائن.

يجب أن يكون العهد بيننا وبينهم «أي الوزارات» دستوراً مكتوباً نقرأ فيه بنوداً تمنحنا الثقة بالبلاد والعباد، وتجعل مهمة بيع الأمانة المهنية متاحة فقط لمن يحمل رأسه بيده، أو كما تقول عنهم جدتي «هذا مستذبح»، ويقول عنهم أخي الصغير «هذا بايعها»، وهم أقوام يقل مكرهم وعيدهم إذا قرأوا في دستورهم قائمة طويلة من العقوبات الحارسة للفضيلة.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

alhayat.com/Opinion/khaled-alfadly/3866018/دستور-وزاري!

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات