يوم العيد: من المقبرة

علي سعد الموسى

علي سعد الموسى

نشر في: آخر تحديث:

لن أكتب اليوم لغة تستعصي على الهضم. هي مساحة خفيفة للعيد ويؤسفني جداً أن أحتل اليوم ركناً رمادياً في يوم افتراضي ومجازي للحياة والبهجة. نحن اليوم نقضي أعيادنا المجازية في اجترار الذكريات بدلاً من الافتراض أن نصنع من يومنا مساحة للذكرى بعد خمسين سنة. وفي عيون طفلي الصغيرين أكاد أن ألمح يوم العيد مجرد "مساحة كبيسة". يوم للنسيان وللحذف من الذاكرة. طبعاً سأعترف بأن كل ذلك يحدث بأخطائي الخاصة الشخصية التي حولت هذا "الخلدون" الصغير في يوم العيد إلى نسخة صغيرة من الرواية الشهيرة "مئة عام من العزلة". حتى الجرس الوحيد الذي ضرب بابنا في صباح ثاني العيد كان بشارة صديق حياة ودراسة جاء إلينا ليشكو بقايا زمنه وأطلال أعياده التي خلت. حتى حديثي معه في يوم العيد يبدو مثقلاً بالأحزان والبقايا والأطلال على غير عادتنا المبهجة عندما نلتقي في شوارد العام. كأنه جاء إلينا لنكتب فصلاً إضافياً من رائعة رودريجو سامانثا عن "التوطئة للموت". كل هذه الشخوص والأحداث لا تظهر لي سوى صباح العيد.
مساء العيد، وصلت قريتي بين العشاء والمغرب، وعفواً على ترتيب الوقت، فكل ذلك أكتبه بالعمد. وكالعادة منذ ثلاث سنوات، صرت أدخل قريتنا من بابها الخلفي المظلم. من شمال مقبرة "آل موسى"، حيث عظام أجدادي، وبيني وبينها فاصل ترابي ضئيل. دخلت المقبرة. سأقول لكم بكل صدق: هي ذات المكان الذي كنت أرعى فيه "بهم" أهلي لساعة قصيرة في كل صباح من طفولتي حتى أشاهد دخان "تنور" أمي قبيل الضحى فأعود للمنزل. كنت طفلاً عندما كانت حتى "المقبرة" تعج بالحياة والبهجة. وفيما أتذكر، قرأت ديوان المتنبي وأنا راع للبهم على حواف المقبرة. قرأت في المقبرة نسخاً متتالية من مجلة "المنهل" كان يبعثها إلينا نسيب من جدة. بين القبور أيضاً، وأقسم لكم بالله، كنت أحل واجباتي المدرسية أيام سنواتي الابتدائية، وعلى أطرافها تعلمت بدايات كتابة الحروف ودروس الهجاء، ومرة أخرى راعياً للبهم ما بين العصر والمغرب. بالأمس دخلتها وللمفارقة بين العشاء والمغرب ليلة العيد. لا شيء يشبهني في قريتي سوى هذه المقبرة. أنا مثلها غريب على كل شيء ومثلها فقدنا كل أيام البهجة. كانت إلى يساري وأنا أغادر بنهر من الدموع.

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.