الدستور الإيراني وتشريع التدخلات الخارجية

د.إبراهيم النحاس

نشر في: آخر تحديث:

من يراقب السياسة الخارجية للدولة الإيرانية منذ الثورة الإيرانية واستقرار حكم الخميني يلاحظ بأنها تقوم على عدد من المبادئ التي ضُمنت بالدستور الإيراني ومنها مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. هذا المبدأ يعتبر مبدأً أصيلاً في السياسة الإيرانية وبنص الدستور الإيراني. فعلى سبيل المثال جاء في الفصل الأول المعنون بـ "الأصول العامة" في المادة الثالثة (المادة 3) بأنه "من أجل الوصول إلى الأهداف المذكورة في المادة الثانية تلتزم حكومة جمهورية إيران الإسلامية بأن توظف جميع إمكانياتها لتحقيق ما يلي" ومن هذه الأهداف ما جاء في الفقرة ست عشرة ما نصه " تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، والحماية الكاملة لمستضعفي العالم". كذلك أعيد التأكيد على هذه المبدأ في الفصل العاشر المعنون بـ "السياسة الخارجية" في المادة الرابعة والخمسون بعد المائة (المادة 154) ما نصه "تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل حقاً لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم، وفي الوقت نفسه لا تتدخل في الشئون الداخلية للشعوب الأخرى".
ولقد كان واضعوا الصياغة الدستورية في إيران مدركين تماماً لمعطيات المنطقة ومدى فعالية استخدام اللفاظ اللغوية العاطفية التي تجعل إيران محل احترام وتقدير من قبل الرأي العام العربي والإسلامي الذي يعتبر نفسه بأنه مستضعف سواءً من قبل التاريخ الاستعماري الغربي أو بمن يقيم علاقات سياسية مع الدول الغربية التي تعتبر دول استكبار. وبوضع الصياغة الدستورية التي تجعل من إيران داعماً رئيسيا للمستضعفين، فإنها تعطي لنفسها الحق المشروع في تعريف من هو المستضعف ومن هو المستكبر مما يخول لها التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. لذلك نجدها تتدخل في الشؤون الداخلية في البحرين على اعتبار أن اتباع المذهب الديني كما في إيران هو مستضعفين والقيادة السياسية البحرينية ذات الشرعية الشعبية تعتبر مستكبره من وجهة النظر الإيرانية. هذا المثل في البحرين تستخدمه إيران في باقي الدول العربية سواءً في منطقة الخليج العربي أو في لبنان أو في اليمن. ولقد نجحت هذه السياسة الإيرانية المستغلة لتعاطف الرأي العام العربي والاسلامي مع "المستضعفين" في صنع أتباع وعملاء يخدموا السياسة الإيرانية من أجل خلق التوتر وضرب الاستقرار في بعض الدول العربية مثلما هو قائم في لبنان من تبعية الحزب الإيراني "حزب الله" للسياسة الإيرانية وتنفيذ الأجندة الإيرانية سواءً في لبنان أو كما يحدث الآن من تدخل عسكري في سوريا ضد الثورة الشعبية للشعب السوري. كذلك نجد أن السياسة الإيرانية تتدخل في الشأن الداخلي للدولة اليمنية وذلك بدعمها لجماعة الحوثي أو ما يسمى الحراك الحوثي ضد النظام السياسي في اليمن وذلك بدعم هذه الجماعة بالمال والسلاح والإعلام وغيرها من وسائل الدعم التي جعلت هذه الجماعة تهدد النظام السياسي اليمني الذي توافق اليمنيون على دعمه خدمتاً لأمنهم ودعماً لاستقرارهم.
ولعله من المهم القول بأن السياسة الإيرانية وإن نجحت في صنع أتباع وعملاء يخدمون مصالحها في الدول الأخرى، إلا أنها سقطت سقطة كبيرة وانفضح أمرها وخسرت تعاطفاً شعبياً كبيراً في العالم العربي والإسلامي عندما وقفت مع نظام بشار الأسد الذي وضع الدولة السورية تحت إمرة طهران. فالدعم الإيراني اللامحدود والتدخل العسكري الإيراني لمحاربة الثوار في سوريا، جعل الرأي العام العربي والإسلامي يدرك بأن الشعارات الشعبية والإعلامية التي كان يطلقها نظام إيران ما هي إلا شعارات سياسية غرضها هدم الأمن والاستقرار في المنطقة وخدمة لمصالحها السياسية التي ليس لها علاقة بالمستضعفين او بالمستكبرين. فالشعوب العربية والإسلامية أدركت بأن كلمة مستضعفين والتي يفترض أنها تنطبق على الشعب السوري، وجدت أنها تنطبق على نظام بشار الأسد من وجهة النظر الإيرانية. وكذلك وجدت الشعوب العربية والإسلامية أن إيران تنظر للشعب السوري الذي يعاني القتل (أكثر من190 ألف) والتشريد والتهجير والإبادة الجماعية بأنه من المستكبرين مما جعلها تقف ضدهم.
إن التضليل السياسي والإعلامي الذي مارسته السياسة الإيرانية ومن يحسب على السياسة الإيرانية لم يعد ينطلي على الشعوب العربية والإسلامية التي أدركت بأن الشعارات السياسية والإعلامية لا يمكن أن تصدق إذا لم تتطابق مع المواقف السياسية الفعلية على أرض الواقع. ومن يقف على السياسات في المنطقة يجد من هي الدول التي تتطابق سياساتها مع أقوالها تاريخياً وليس مرحلياً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.