عاجل

البث المباشر

خالد الفاضلي

كاتب سعودي

كاتب سعودي

السعوديون أبناء الشهر الواحد

يتعلق هذا بي وبمن حولي، ولا علاقة للأثرياء به، فحياتنا عبارة عن شهر واحد يتكرر إلى نهاية العمر، أول خمسة أيام فيه بيضاء و«منعنشة» فيما بقيته سوداء مقلقة، وهي حال معظم السعوديين حالياً، استجابة لزمن وقيمة رواتبنا.

تنحصر دورة الحياة لدى السعودي والسعودية، أرباب الوظائف، في شهر يُعاد استنساخه بصفتنا عمالة وافدة من مسقط الرأس إلى مسقط الراتب، فيما تنقسم رواتبنا إلى قسمين أساسيين، الأول: يعادل - في أقل تقدير- 60 في المئة منه، نصرفه كقيمة لخدمة البقية منه، كيف يحدث ذلك؟

يحدث ذلك نتيجة اضطرارنا إلى دفع إيجار منزل، قسط سيارة، وفاتورة المظهر الحسن المطلوب لبيئة العمل، ومن ثم فإن راتب العشرة آلاف تتبخر منه 6 آلاف ضريبة وجود الموظف في مدينة العمل، بينما الأربعة الباقية تذوب في الثقافة الاستهلاكية للمكان أو التزامات أسرته في ديرته.

يسود حياتنا الملل المعيشي، تكرار إيقاع الحياة، ديمومة الضغط المالي والنفسي المرتبط به، كذلك اليأس من احتمال حدوث قفزة في مستويات الدخل أو تنوعه، ويصبح شهر حياتنا الوحيد أكثر ثقلاً مع زيادة الأولاد والشيب.

يؤثر ارتهاننا لحياة (أبو شهر) حتى على مقاييس وطنيتنا، وثبوتها عند تجربة الارتباط الموقت، وكأن الراتب جرعة دواء شهرية لجسد دائم المرض لا يحقق شفاء تاماً، خلافاً لمقاييس الوطنية لدى أجدادنا المعتمدة حياتهم على دورة حياة تمتد من أربعة أشهر إلى سنة، كيف كان يحدث ذلك؟

كان يحدث ذلك لأن حياتهم المالية مرتبطة بانتظار مواسم الحصاد لدى أهل الزراعة، وهي تمتد من أشهر للخضار، أو سنة للنخيل وغيرها، وإلى ذلك الحين فارتباطهم بالوطن والناس وثيق، فكل التعاملات المالية مؤجلة، وليس عليهم الشعور بملاحقة أقساط شهرية، بينما كان أهل الرعي وتربية المواشي يعيشون سنة كاملة انتظاراً لما في بطون الإبل، ومن ثم فإن دورة الحياة لديهم موسمية أو سنوية.

تعني دورة الحياة ولادة ثم ممات للأمل، المشكلات والحلول، وكلما امتدت زمنياً أكثر كلما وجدنا مساحة للعيش بأريحية، ويتأسس في أعماقنا حب لحياتنا والناس والوطن، لكن ما يحدث لنا -نحن أبناء حياة الشهر الواحد- تكرار الألم أكثر، وتضاءل الأمل، وكأننا جزء من أغنية فيروز «يا داره دوري فينا»، وتكمل فيروز (تاينسو أساميهن وننسى أسامينا: تعا تا نتخبى من درب الأعمار) وتختصر حياتنا بالنسيان لأسامينا، طموحاتنا، آمالنا، وطننا، أرحامنا؛ لأن حياتنا محصورة في شهر واحد، بينما كل الدنيا «دروب أعمار» تأكلنا قبل أن نعيشها.

يتغير نمط حياة المجتمعات وفق مداخيلها المادية قيمةً وزمناً، وكل المعتمدين على الرواتب الشهرية في بلادي هم فقراء مال، أو فقراء حياة، أو كلاهما معاً، كذلك بنا فقر كبير تجاه التنعم بشعور الوطنية.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات