عاجل

البث المباشر

بين الحرية والعبودية

قبل أيام شاهدت أحد الأفلام الفائزة بجائزة (الأوسكار)، وهو فيلم (12 سنة في العبودية)، ويحكي عن واقعة حقيقية حصلت في عام (1853) لرجل استعبد اسمه (سولمون نور ثوب)، وتأثرت به أيما تأثر، لهذا اسمحوا لي أن أعزف عزفاً حزيناً على هذه المقالة عن العبودية، التي انتهت اسمياً بعد إعلان (حقوق الإنسان)، ولكنها لم تنته فعلياً وإن تلبست بأزياء أخرى.
هل تصدقون أنه إلى ما قبل قرن أو أكثر بقليل، كانت بيوت البيع والشراء للعبيد والعبدات ملاصقة لجدران الحرمين الشريفين؟!، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، والحمد لله أنها ذهبت إلى غير رجعة.
هل تعرفون أنه إلى أوائل الخمسينات كان الظلم والتقليد هذا سارياً في جنوب الجزيرة العربية، وقد وقعت بين يدي وثيقة مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية إبان الاستعمار البريطاني لتلك المنطقة وجاء فيها:
هذا إقرار بأن (فلان) عبد ابن عبد ومن سلالة عبيد، وقد طلب من ضابط الحدود حمايته، وقد أعطيت له وأصبح منذ اليوم حراً، وله حق التصرف بحياته.
والغريب أن بعضهم في ذلك الوقت كانوا يرفضون التحرر بحجة أن أسيادهم يؤمنون لهم المسكن والمأكل وهم لا يريدون أكثر من ذلك، وكانت أسعارهم في سوق (النخاسة) تتراوح ما بين عشرين إلى خمسين جنيهاً إسترلينياً، وذلك حسب المواصفات ما بين الرجل والمرأة، والمؤلم أن المزايدات كانت تتم عليهم مثلما تتم على المواشي.
وإن نسينا فلا يمكن أن ننسى الهند، وفلسفتها الغريبة والعجيبة، وليس هناك بلاد في أرجاء المعمورة لديها تفرقة بين الطبقات أكثر منها.
ويكفي أن بها أحط الطبقات وهي ما يسمى (بالمنبوذين)، وهم أتعس بمراحل حتى من العبيد، فلا يمكن لمن هو أعلى منهم مرتبة أن يشرب من حنفية ماء شرب منها منبوذ، والويل كل الويل لأي منبوذ لو أن ظلاله قد مر على جسد لمن هو أعلى منه طبقة، عندها سوف يذهب ذلك الأخير ويغسل جسده من نجاسة ظلال ذلك المنبوذ!!
ولا شك أن الرئيس الأمريكي (لونكولن) كان شجاعاً عندما ألغى الرق في بلاده، غير أن بعض الأفارقة الأمريكيين، زيادة منهم في التحرر، قرروا بعد ذلك أن يعودوا إلى جذورهم وبلادهم الأصلية، وهاجر منهم مئات الألوف إلى أفريقيا، وانشأوا دولة (ليبيريا) ــ أي الحرية ــ، ومع الأسف فهي اليوم من أفقر الدول، وأصبح أحفادهم لا يستطيعون الرجوع إلى أمريكا، وفوق ذلك هم لا زالوا إلى اليوم يصبون اللعنات تلو اللعنات على أجدادهم الذين هاجروا وماتوا وتركوهم في هذا الفقر المدقع، ولو أنهم بقوا في أمريكا، لما أصبح حالهم كما هو الآن.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات