ريحانة...

محمد المعدي

نشر في: آخر تحديث:

في معجم اللغة الريحان هو جنس من النبات طيب الرّائحة. وفي المصحف الشريف: "والحبّ ذو العصف والرّيحان".

أما في التراث... فلطالما زيّنت أكاليل الريحان أعناق ورؤوس السيدات العربيات في مناسبات الأفراح والليالي الملاح والأعياد... إلّا أنّه للأسف وفي يوم السبت الـ 25 من أكتوبر 2014 قد قرّرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تتحدّى المجتمع العالمي، وأن تستكبر على الحق، باغتيالها الرّوح والرّيحان...!

لقد أعدموا "ريحانة"... هذه هي الجملة الأكثر تداولا على الشبكات الاجتماعية في السعودية بعد الخبر الصاعقة على الحقوق والإنسان والمبادئ والقيم.

تداول النّاس من مختلف أطيافهم، ليبراليون وإسلامويون ويساريون بكل الأسى توحّدهم الدّموع رسالة ريحانة لوالدتها قبل إعدامها... الغضب العارم هو سيّد المشهد. فكيف تجرؤ دولة تعلي شعار الإسلام أن ترتكب أبشع أنواع الفساد والجرائم في حق ابنة أرض طاهرة كل جرمها هو أن قتلت موظفا سابقا في الاستخبارات الإيرانية حاول اغتصابها فطعنته بسكينٍ دفاعا عن نفسها عام 2007؟.. مضمون الرسالة يحوي الكثير والكثير... يفتّح أفق وبصيرة الإنسان على حجم الشّر والنفاق والطّغيان الذي يتلبّس هكذا أنظمة مستبدة مستترة بلباس الدين.

في الرسالة خاطبت "شهيدة الطّهر" ريحانة والدتها: "أشعر بالخزي لأنكِ حزينة. لماذا لم تعطني الفرصة لأُقبِّل يدكِ ويد أبي؟"... إنها ابنة بارة، في عز مأساتها تفكّر بحزن والدتها، فتاة كريمة تربية كرام.

ثم واصلت ريحانة تشكو لوالدتها صنوف التعذيب وممارسات الانتهاك اللاإنسانية في إيران الإسلامية، مشددة على أنها لو لم تدافع عن نفسها بقتل المعتدي لوجدتها والدتها جثة مغتصبة ملقاة في غياهب التستر الرسمي على الجاني صاحب المنصب والرتبة العالية.

وكانت العبارة التي هزّت العالم في رسالتها وتصدّرت عناوين الصّحف العالمية هي قولها:"نحن لا نملك أموالهم ولا نفوذهم".

وهكذا دائما عبر التاريخ يكون فعل استكباري إجرامي في حق فرد واحد من الشعب المضطهد كفيل بفضح كل الشعارات الزائفة، وكفيل بزعزعة أركان زيف النظام الحاكم المتهالك بطغيانه.

ثم أوصت ريحانة والدتها بالتبرع بأعضائها لمن يحتاجها من كليتين وقلب وحتى العينين والعظم.... فريحانة هنا لآخر لحظة تتحدّى الظّلم وتصرّ على تسجيل موقف إنساني نبيل حتّى بعد رحيلها محتسبة أجر ذلك وكل ما جرى عليها عند الله... وأمام محكمة الله سيكون الظالمون هم المتهمون.

آهات كثيرة أشعلتها ريحانة وأضاءت من عمق جراحها ومأساة مظلوميتها جوانب كثيرة للحق.. اتضح جبن وضعف المارد الفارسي الإسلاموي الذي يتحدى العالم. ليس سوى نظام بدائي يأكل فيه القوي الضعيف، ويستغيث فيه الصّدق، وتهمّش فيه طاقات بشرية نشطة ذات أصول وحضارة من عمق التاريخ.

لم تتمكن قيادات هذا النظام الاستبدادي من بناء كيان وطني صلب بتنظيم طاقات المجتمع الإيراني ومكوناته الثقافية والفكرية بل اعتمدوا على الافتراءات والنفعية والممارسات القمعية والشمولية ونسب أي إنجاز للفئة الديكتاتورية المتسلطة على الحكم من ملالي التخلف والرجعية والنظريات السياسية والفلسفية التي تشكل عبئا على التاريخ والوجود، وعلى حاضر ومستقبل الشعب الإيراني الحر الذي سرقت ثورته الشعبية واستبيحت دماء أبنائه وهشمت إرادته الوطنية الحرة وانتهكت حقوق نسائه الإيرانيات اللواتي يتصدرن اليوم ساحة المواجهة تحديدا من خلال قضية ريحانة.

ولريحانة التي تقول لوالدتها في رسالتها: "لم يحبنا العالم؛ ولم يتركني لقدري. أنا أستسلم الآن وأقابل الموت بصدرٍ رحب"، نقول: لا يا عطر البراءة بل العالم بأسره يحبك، والأقلام من كل بقاع الأرض لم تتوقف عن الكتابة لنصرتك وأنتِ بين يدي رب رحيم راضية مرضية، وستبقى قضيتك نبراسا... يضيء درب المظلومين وينصرهم.


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.