شيفرة الاستقرار

مها محمد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

لقد تساءل الكثير عن دواعي الاستقرار ودراسة وتحديد المخبأ السري لها والتي تحوي الآليات والأدوات، فقد كشف المجتمع في الأربع سنوات الأخيرة ذبذبة وخلخلة في البنية الأساسية للأسرة وفي العمق خوف وضعف وشباب يعيش العزلة في الطرف الآخر من البيت.

فكانت إحدى مساوئ العصر ضياعاً في غمرة السكن ووسط الأهل، كلفت الوطن خسائر كبيرة أثرت في قناعات مستقبلية وحيرة تلبست البعض ما أكسبهم غموضاً وسوء إدارة الإدراك.

وتساءلنا فيما بيننا ما الذي يحدث لنا ونحن نعيش حياة عصرية تكاد تكون متكاملة تكتظ بالفرص، وتساءلنا أيضاً فيما إذا ما كان الفضاء السياسي والاقتصادي صالحاً للحياة وقيد الاحتمال؟

فالأمر هنا يعاني من بؤرة خيالية لا تتصل بالواقع الذي قدمته الدولة لمواطنيها وما وفرته لجميع الفئات العمرية، ودور المؤسسات في إيجاد نوع اجتماعي مألوف يحافظ على قانون الحياة الطبيعية والتشريعية، لقد بقي ليوناردو دافنشي اللغز الأعظم في العالم المحظور للباحثين المعاصرين حيث كانت أعماله تفضح بالأسرار التي ظلت مخفية ترفض أن تنطق وتبوح بحقيقتها.

فهناك نوع من التعاطي المعقول يدجن الجنون ويعمل على تعبئة الرؤوس الفارغة في ميدان آمن وسياسة مستقرة واقتصاد ضخم، ونبحث عن دور فعلي لعلماء النفس عن تلك الحالات التي انسلخت عن مجتمعها وأرضها وارتمت في أحضان المجهول، وفك شيفرة المحرض والمنتفع الحقيقي المتجه إلى المنعطف في تلك الأحياء التي تقطن فيها الأرواح المنهزمة.

والآن وقد عايشنا الإرهاب وعلمنا ضخامة الكلفة الإجمالية التي أنفقتها الدولة والجهود الجبارة لمكافحته، إلا ان لهذه الإضاءة المرجوة تبعات مأساوية اتضحت منها علاقات مزدوجة بين الأسر والأبناء الذين تقلدوا مهامَّ غريبة تقاتل وتجوع وتتغرب وتهلك باسم الدين، فتعذر على المجتمع فهم أغلب أجزاء هذا اللغز.

إلا أن ما يجب الانتباه إليه هو ما بعد هذه الممارسات على الفرد والمجتمع، ودهشة الاكتشاف التي أثرت على القدرات الفكرية للفاعل نفسه والمبادئ والأنماط السيئة التي تركها خلفه، فلاشك أن معظم الجرائم تبدأ من الداخل، فمن انكب على معالجة هذه المسائل عليه أن يكشف الإجراءات الأخرى المتناهية الصغر والغرض منها. حتى يتمكن استقراء البعد الاستراتيجي من الفضاء العائم لكل هذه القضايا.

وقال دان بروان في الفصل السادس والثلاثين من روايته: ربما تكون تلك خدعة، تنفس فاش بعمق وأخذ يرسم خطة في ذهنه، وأرسل إشارة إلى المحطة التالية ودعهم يوقفوا القطار ويفتشوه تحسباً، وترك السيارة في مكانها ونشر عناصر متخفين بالقرب منها فيما لو حاولوا العودة إليها، وبعث برجال لتمشيط الشوارع حول المحطة في حال قاموا بالفرار.

فالساعة الأولى في الأحداث مهمة جداً لأنها تشهد فراراً وآثاراً عشوائية فالهرم الزجاجي المضيء غير قادر على حماية الهاربين ولن يصمد في مواجهة الحصار العنيف، وبالمجمل نشاهد أن لهذه الروايات المكانية قيمة تحدد بموجبها الأمكنة وتدور حولها التجارب اليومية وبقايا الواقع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.