حوار على الطار

يحيى باجنيد

نشر في: آخر تحديث:

قد تثور وقد تغضب، فتعصف بكل شيء وتدمّر كل شيء، ثم لا تلبث أن تعود إلى طبيعتك وهدوئك.. تصفو وترق!

كبير أنت ـ يا سيدي البحر ـ فيك من هذا الإنسان مزاجه المتقلّب الذي يستقر على حال.. وفيك من هذا الإنسان طباعه، وفيك منه سعة الصدر وضيقه.. ووهج الحُلم وبريقه.
دائما لك موعد مع القمر في منتصف الشهر، لا تخلفه أنت ولا هو، منذ أن التقيته أول مرّة.. تبثّه شكواك ونجواك.. تسترق معه قلب الليل إلى أن ينبلج صبحه عن صبحك:
«هل تُرى يا ليل أحظى
منكَ بالعطفِ عليَّ»؟
وأراك ـ يا سيدي الليل ـ وفياً لصُحْبة السّهارى ـ كما البحر في بوح صاحب الجندول ـ تتسع عباءتك لسرّه، مثلما يتسع صدر البحر ولا يضيق به وبمجدافه:
«أين من عينيك هاتيك المجالي
يا عروس البحر يا حُلم الخَيالِ
شاعتِ الفرحة فيها والمسرّة
وجلاَ الحبُّ على العشّاق سرّه
يُمْنةً مِلْ بي على الماء ويُسْرَه
إنّ للجندول تحت الليل سِحْرَه»..
وكما يتفكّر الإنسان ويتدبّر في ملكوت الله الواسع الأرجاء، ويستشعر عظمة مبدعه، آيات جمال ليس لها حدود، ولا يخنقها «برواز»، فإن لوجدان الشاعر فضاءات رحبة وبحارا لا يحدها أفُق، فيصدح بذكر ما لا يراه سواه.
هذا هو حال إنسانك معك ـ يا سيدي البحر ـ ومع ما حوله من ألوان الحياة، فهو مهما تكدّر وتعكّر فإن له موعدًا لحديث طويل، يبثه بصمتٍ على مستوى الجهر، ذاته، يأخذ منها ويعطيها، مستعذبًا مرارة الصّبر:
«وصبري صبر بحارة
بغوا في اليم محارة..
غشاهم موج كان من الغضب أغضب،
وكانوا للهلاك أقرب،
لولا كثروا التسبيح..»

نقلاً عن صحيفة "مكة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.