خطأ هندسي في ممرات الدماغ

خلف الحربي

نشر في: آخر تحديث:

هدد رئيس هيئة المهندسين السعوديين بإعلان قائمة بالمهندسين الذين يعملون بشهادات مزورة وأغلبهم من الوافدين، وقال إن عدد المعلوم منهم وصل إلى 1700، وكانت إحصائيات سابقة قد ذكرت أن أعداد المهندسين الأجانب الذين عملوا بشهادات مزورة في السعودية ثم عادوا إلى بلادهم أكثر من هذا الرقم بكثير، ويقال إن بعضهم أشرف على بناء عمارات وأبراج شهيرة.
وأظن أن أثر هؤلاء المهندسين المزيفين ليس معماريا فقط بل يمتد إلى كل نواحي حياتنا، نعم فحياتنا مصممة بشكل مختلف عن بقية خلق الله، ويصعب على الشخص العادي قولبة ذاته فيها بسبب أخطاء هندسية لم يكن لها أي داع لولا جهل المهندس!، لقد غير هؤلاء المهندسون المزيفون حياتنا.. تحركوا عكس الاتجاهات المنطقية للشوارع.. غيروا مقاسات أبواب الدخول والخروج.. جعلوا النوافذ صغيرة جدا ورديئة الشكل بينما الستائر كبيرة وباهضة الثمن!.
بسبب هذه الأخطاء الهندسية الفادحة كثرت التحويلات في دماغ الواحد منا، وأصبح ما يفكر فيه هنا يختلف عما يفكر فيه هناك، وما يرفضه هنا يوافق عليه هناك، لأن المقاسات التي وضعها المهندسون المزيفون هنا تختلف عن أي مقاسات يمكن أن يتعامل معها أي نظام هندسي في العالم، وبسبب الفوارق بين المقاسات المحلية والمقاسات العالمية نشأ عندنا ما يمكن تسميته بهندسة المواءمة، واستفاد خلق كثير لقدرتهم على ابتكار المواءمات التي تحاول التخفيف من آثار الأخطاء الهندسية الأساسية التي طالت العقول مثلما طالت الشوارع والبنايات الحديثة.
الأخطاء الطبية قد تنهي حياتك.. ولكن الأخطاء الهندسية تفعل ما هو أخطر من ذلك، حيث تجبرك على أن تعيش حياة ليست حياتك، وهكذا.. تتعلم طرقا جديدة في المشي كي تتفادى الوقوع في الحفر التي أنتجتها الأخطاء الهندسية، تجرب طرقا عجيبة في قيادة السيارة كي تتلافى أضرار الأخطاء الهندسية في شوارع المدينة وتتجاوز أحيانا القواعد التي يفترض أن تحترمها لأن هذه القواعد تعاني أساسا من خطأ هندسي جوهري، حيث صممت بشكل مقلوب ولم يعد الوصول إليها ممكنا إلا من خلال هذه التجاوزات.
وبينما تتدفق السيارات بسرعة في شوارع المدينة يصنع المهندسون المزيفون أخطاءهم الفادحة كي يعيش الناس الحياة التي يظنونها الصحيحة بشكل خاطئ.. والخطأ يمسح الخطأ.. وتستمر الحياة.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.