لم تعد جدة تخاف المطر

نشر في: آخر تحديث:

باتت الكتلة العمرانية في مدينة جدة مطمئنة بعد استقبالها خلال السنوات الماضية حلولا دائمة قادرة - بعون الله - على استيعاب معدلات عالية من الأمطار وهضم سيول قادمة من خمسة أودية بسلاسة، يراهن مصممو الحلول على نجاعة خططهم وإحسان التنفيذ.

كانت إحدى أهم سمات جدة احتضانها كميات كبيرة من مياه الأمطار زمناً كفيل بإضعاف الطرقات وإخراجها عن مهامها، كذلك إحاطة أحياء سكنية ببحيرات من مستنقعات ذات أثر سلبي على صلابة المباني والصحة البيئية، وكانت ثقافة صبر المجتمع لهذا المصير مقرون بثقافة قبول واقع يصعب تغييره حتى أتت إرادة الملك، وإدارة (أمير منطقة مكة السابق) خالد الفيصل، بما يؤكد أن تكاتف قوة الإرادة مع حصافة الإدارة يذلل المهام المستحيلة.

أجابت مجموعة الحلول الدائمة (المخصصة لحماية الكتلة العمرانية في مدينة جدة) عن سؤال ثقيل حول كيفية حماية مدينة جدة من تدفق ٢٤ مليون متر مكعب من مياه سيول قد تحملها أودية غليل، بريمان، أم حبلين، دغبج، وغيا، وذلك بعد صمتها لعدة عقود متسببة بإغراء الناس على زرع ممراتها وضفافها بأحياء سكنية (أغلبها عشوائي)، حتى أتى عاما ٢٠٠٩ و٢٠١١ بيقين أن الماء يقسو دوماً على الطين ويدفع به إلى البحر بما اعتلاه من حجر أو بشر.

استقبلت مدينة جدة معالجة هندسية لمئات من نقاط تجمع المياه، لا يتم ذلك دون تراكم وتوافق من دراسات جيوفيزيائية، جيوهيدرولكية، ونحت زوايا جدة بقنوات وممرات تسرق الماء من اليابسة وتودعه في صدر البحر، يستلزم ذلك حرفية وأناقة تفوق دقة مشرط جراح التجميل على جسد أنثى تبحث عن مزيد من الحسن، ورغم أن أدوات التجميل كانت جرافات ومعدات ثقيلة، واستبدال "البوتكس" بأطنان من الخرسانة والحديد فإن نجاعة النتيجة كانت كفيلة بنسيان ضجيج دام قرابة عام انتهى لاحقاً إلى انحناء جدة تقديراً لكل من ساهم بفكره أو عرقه في تحويلها إلى مدينة خالية من نقاط تجمع مياه الأمطار.

تماثلت خارطة مدينة جدة للشفاء من كل بؤر تجمع مياه الأمطار، وبات جسدها مرنا ذا قدرة على التراقص مع تدفق السيول مرفودة بشبكة إنذار مبكر تم تأسيسها لتمسي وتصبح عيناً يقظة تراقب بقلق تباشير المطر والسيول من أجل تمرير رسائل تحذيرية لمجموعة من القطاعات الحكومية والمدنية المعنية بأداء مهام تم الاتفاق عليها خلال ورش عمل حددت لكل جهة أدوار تقوم بها حالما يدق جرس الإنذار، الوصول إلى هكذا تنسيق استوجب جهدا تنظيميا في غاية الجهد والدقة، النتيجة كانت حيازة جدة على مجلس طوارئ لا تنام له عين.

تم إنجاز الحلول الدائمة لمعالجة مياه الامطار وتصريف السيول الخاصة بمدينة جدة استناداً إلى دراسات لمعايير هطول أمطار مئة عام متوالية، ثم تأسيس تصورات وجدول أعمال على الأرض وتحتها بمشاركة عشرات الآلاف من الكوادر البشرية المنتمين لشركات محلية وعالمية ذات خبرات تنفيذية منتمية إلى التصنيف الأول في جودة الإنجاز والالتزام بجدول زمني قياسي، وربما بلغة أكثر اختصاراً: تم خلال عدة أشهر فقط ترميم وتأسيس مشاريع معالجة مياه أمطار وتصريف سيول كان يجب نسجها في جسد جدة خلال الخمسين سنة الماضية، كان ذلك في مفاهيم الإدارة والهندسة والإنشاءات تحقيق فعلي لمهمة مستحيلة.

كان أمر الملك وتوجيهاته أكثر وضوحاً من وهج الشمس بأهمية إيجاد حلول عاجلة تمنع تكرار المصاب بعد تعرض جدة لحالات فقد أرواح وممتلكات بيد قوية من سيول ٢٥ نوفمبر ٢٠٠٩ مصحوبة بفقد شعور سكانها بحالة أمان كانت قائمة لدة عقود.

جاء في التوجيهات الملكية تحديد اسم خالد الفيصل رقيباً، أميناً ومديراً لخطة إنقاذ مانعة لتكرار ذات الصورة، بعدها كان كل حديث الفيصل ورجاله أفعال، وأصبح الفعل مكان المقال، وتسارعت العقول إلى الحلول من خلال اكتشاف الخلل وسد الثغرات، كان تحصين جدة متسارعاً ويحمل أنفاس المحاربين، العاملين ليلا ونهارا.

تمتد جدة على سهول ساحلية يسد امتداد أفقها الغربي البحر الأحمر، ويعلوها شرقاً مرتفعات، مما يتحتم عليه جريان ماء الأمطار مخترقاً مدينة تعرضت لنوبة نسيان مؤقت لتفاصيل جغرافيتها الطبيعية بما فيها مصاب أودية ومسالكها، كذلك أحواضها المائية، كان النسيان قائما على الأرض والورق، لم تكن مهمة العثور عليها ذات طابع سهل، لأنها استوجبت أكثر من ٣٠٠ ألف ساعة عمل، مضافاً إليها تقنيات مسح ضوئي جوي، ودراسات هيدرولوكية هيدرولوجية، وأيضاً تحليل تربة ورفع مساحي.

كان العثور على مصاب الأودية مهمة أساسية، كذلك الأحواض المائية، وقبل ذلك تفحص السدود القائمة، بينما خمسة ملايين ساعة عمل تقاسمها ٤٢٠٠ عامل كافية لتحقيق إنجاز كامل خلال ١١٠ أيام، كان الإنجاز بمثابة إدخال مريض إلى غرفة عمليات ، النتيجة: (الحمد لله على السلامة يا جدة).

اتجهت حزمة الحلول العاجلة المخصصة لمدينة جدة نحو إعادة تناغم السدود مع قنوات تصريف السيول، وإزالة عوامل جفاء كانت مانعة للتحقيق غايات وجودها، تحقق أحد أركان المصالحة من خلال تنظيف أنابيب تصريف سيول بمجموع أطوال تزيد على ستين ألف متر تشبعت كثيراً بأطنان من الطين، ودرجات ميلان غير متناسقة حتى بات من الصعب انسياب الهواء من خلالها، لكن تنظيفها ورفدها بـ١٣ ألف متر من الأنابيب الإسمنتية والحديدية أوصل قارب الحلول العاجلة إلى شاطئ الأمان.