التصفيق للنساء !

محمد أحمد الحساني

نشر في: آخر تحديث:

قرأت ذات يوم مثلا فرنسيا يقول: «يظل الطفل بريئا حتى يتعلم التصفيق»!، والمثل كما هو واضح مكتنز بالمعاني، ولعله يتضمن مبالغة في وصف حالة الطفل الذي يصفق ببراءة إن دعي لذلك أو إعجابا بما رآه، ولكن المثل يربط براءة الطفولة بعدم ممارسة التصفيق فإن صفق الطفل فقد براءته وانضم لكوكبة المصفقين!.
أما تصفيق الكبار «فإنما الأعمال بالنيات» فإن كان الذي فرقع «الصفقة» فعل ذلك إعجابا بما رآه أو سمعه أو قرأه، فذلك نوع من الإعجاب الصادق عبر عنه ذلك الإنسان بالتصفيق، فهو في هذه الحالة يشكر على أنه عبر عن مشاعره النبيلة وقدم التحية لمن أحسن عملا أو أجاد قولا، أما إن كان المصفق من حملة المباخر فإن صفقته المدوية وسيلة قميئة من وسائل التزلف المقيت.
وقبل سنوات عديدة حضرت مناسبة شارك فيها علماء ومفكرون فلما ألقى رئيس الجلسة كلمته صفق له بعض الحضور فزجرهم بقوله: التصفيق للنساء.. ثم أرشدهم إلى أن من يسمع أو يرى شيئا يسره فإنه يكبر للدلالة على إعجابه بما سمع أو رأى، فلما ألقى أحد المشاركين كلمته البليغة ضجت القاعة بالهتاف: تكبير.. تكبير!.
فإذا عدنا إلى التصفيق والمصفقين فإننا نجدهم ينقسمون إلى عدة فئات، وأسوؤهم الذي لا يصفق إلا تزلفا طمعا في كسب رضى من يصفق له، ويقابل التصفيق إعجابا أو ادعاء إعجاب «التصفير» وهو تعبير عن السخط يستخدمه الغربيون في حالة عدم رضاهم عن قول أو فعل صدر عن إنسان، وقد بدأت بعض جماهير كرة القدم تستخدم التعبير نفسه لاستهجان تصرفات اللاعبين أو قرارات الحكام!.
ولم يرد التصفيق أو التصفير في لغة العرب على سبيل المدح بل على سبل الذم، فقد ذم القرآن الكريم مشركي قريش في قوله عز وجل: «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية» وجاء في تفسير الكشاف لجار الله الزمخشري بأن المكاء هو الصفير وأما التصدية فهي التصفيق، وقال الصحابي الجليل حبر الأمة عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: كانت قريش تطوف بالبيت عراة .. يصفرون ويصفقون.
وما دام أن التصفيق استحسانا والتصفير استقباحا ليس من الأفعال الحميدة ولا يحسن صدورها من الرجال الذين يعرفون قيم ومثل الرجولة فلماذا تستخدم في هذا الزمان على نطاق واسع وتدور حولها نقاشات تحت القبة وينشغل حولها رأي الكتاب والمجتمع وكأن كل شيء أصبح صالحا ولم يبق إلا قضية التصفيق لمن يستحق التصفيق!؟.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.