الدّنوّ العذب : موهبة !

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

نحب الأشياء التي تثيرنا ، غير أننا نحب أكثر تلك الأشياء التي تثيرنا بطريقة غامضة ، لذلك أقل أهل الفن سحراً هو الساحر ! ، الذي يقف على المسرح ليقدم لنا عرضاً سحرياً معتمداً على خفة اليد و مهارة التدريب و مساعدة التكنولوجيا ، كل لاعب سيرك هو فنان ، لكنه و في أعلى قمته ، أقل من الرياضي ، ذلك لأن ساحر السيرك يثيرنا على نحو أقل غموضاً من لاعب كرة القدم ، مثلما أن رجل الحبل في السيرك و مهما بلغت به مهارته يثيرنا على نحو أقل من لاعب الجمباز الموهوب ، لماذا ؟ ، لأن ساحر السيرك و الماشي على الحبل المشدود ، قدّما لنا إثارة نعرف بوجودها سلفاً ، فلا مكان في السيرك لساحر بلا قبعة يفتحها خاوية ثم يهزها فتظهر أرنب أو حمامة ، نغفر له بتواطئ يستلزمه الفن أن أرنبه مخدّرة شبه نائمة و أن حمامته لا تجيد الطيران ! ، و هو يتنافس مع زملائه السحرة في ابتكار ألعاب جديدة نعرف حتى مستقبلها : أن تُحفظ ! ، و الأهم أننا نحضر العرض و نحن على يقين من أنه تدرب على ما يفعل أمامنا ، تدرّب كثيراً ، بنفس القياسات تامة غير منقوصة ، ذلك ما يجعل إثارتنا أقل غموضاً مما يمكن لها أن تكون مع لاعب كرة قدم ماهر ، الغموض الذي تثيره فينا مغامرته أكبر ، ذلك لأنه تدرب و مارس كل ما يمَكّنَه من إتقان عمله نعم ، غير أن الكرة التي وصلته الآن لم يسبق لها أن وصلته في ظروف سابقة متطابقة القياسات تماماً ، و ما سيفعله بها و من خلالها الآن ، هو ذاته لم يكن متأكداً من معرفته قبل فعله إياه ، و لن يكون واثقاً من نجاحه قبل أن ينجح حقّاً ، بما في ذلك مارادونا و زين الدين زيدان ، الأمر ذاته يجعل من الممثل الكوميدي على المسرح أكثر قدرة على استخراج ضحكات صميم القلب من مهرج السيرك على ذات المسرح ، و لذلك يظل الأدب أعلى شأناً من الرياضة ، فالدّنوّ العذب الذي هو ميزتها جميعاً ، و الذي هو أصيل في الشعر تحديداً على نحو قاطع ، و الذي هو أكثر أصالة في الموسيقى ، هذا الدّنوّ العذب ، قادر على إثارتنا بغموض أشد ، بل إنه عاجز عن اثارتنا دون غموض عميق ، و في عجزه هذا تكمن قوّته ذات العنفوان !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.