لماذا يتلعثم العشاق ؟!

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

العاشق يتلعثم ، لا يثق بكلماته لأنها في يقينه و حِسه غير جديرة بالثقة ، فهي مُجهّزة لما كان موجوداً و ممتدة لما أمكن للإنسانية تخيّله ، حدودها الصدق و الكذب و طرقها الالتواء و الاستقامة ، لغة العاشق مثله ، مصدومة بجديد لم تألفه ، و الصدمة و الجِدّة و الـ " لم " و الألفة ، ليست هي تماماً كما تعبر عنها الجملة ، لكن الجملة خاضعة لمفرداتها ، عائدة لتاريخها بينما العاشق ذاهب لمستقبله ، متحرراً من كل خضوع سابق و من كل حرية سابقة أيضاً ، خاضعاً لتحررٍ جديد ، لم يألف لذة خضوعه له و يعجز عن استيعاب تحرره به ، لا يقدر العاشق على السكوت و لا يتحمّله النطق ، لكنه يستسلم مجبراً لهذه اللغة ، لأدواتها تامة غير منقوصة بما في ذلك السكوت ، حيث السكوت أداة من أدواة اللغة ، و إلا فما معنى دائرة التشكيل الصغيرة المسمّاة بالسكون ، و ما معنى إشارات الإرشاد : النقطة و الفاصلة و الاستفهام و التعجب ؟! ، حتى لو أراد العاشق السكوت فعليه أن يتكلم أولاً ! ، يتلعثم العاشق لأن الكلمات مهما بدت دقيقة و مناسبة و جديرة بالحضور فهي تحيا على موت كلمات أخرى ، على نفي جمل كان يمكن لها و يجب عليها أن تُقال ، يريد العاشق قول كل شيء دفعة واحدة بجملة واحدة ، بخطاب واحد ، يذهب إلى اللغة بهذا الغرض ، و يعلم أنه ذاهب إلى مستحيل ، يصعد إلى هاوية ، يتكاثر بالنقصان ، يعمل ضد نفسه ، راغباً و مرغماً يتجه إلى كلمات يعرف أنها في أفضل حالاتها و حللها تتجه به إلى يسيرٍ مما يريد مقصية بقية المأمولات ، يقبل و يرفض الإبادة بالدرجة نفسها من الحماس ، لا يقدر العاشق على السكوت و لا يقدر الكلام على العاشق ، لذلك يتلعثم ، بيته الفضاء يتسع و يتمدد ، و كل لغة باب ، و كل باب يضيق ، و ضيوف العاشق من الكلمات لا يستوعبها باب ، كل كلمة تريد الدخول قبل صاحباتها ، كل حرف في كلمة يريد أن يصير الأول ، يُعادي كل حرف صديقه المقرّب في الكلمة ، و كل كلمة تخاصم صاحبتها الأثيرة في الجملة ، و كل جملة تحسد أختها في العبارة و تضيق بها ذرعاً ، زحام و فوضى ، و في فوضى الزحام الشديد يدهس الكلُّ الكلَّ ، و ما يبقى يبقى على " قيد " الحياة بكل ما تحمله لفظة " قيد " من مهانة و ذل ، أعز كلمات العاشق ذليلة قدْراً بسكون الدال و قدَراً بفتحها ! ، من يرتّب كلماته و ينجو بها من هذه المذبحة أقل عشقاً مما يظن معشوقه ! ، لا يفتح العاشق من اللغة غير طبيعتها الغالقة ، لا يتنفس غير قدرتها على الخنق ، يقترب منها لترميه بعيداً عنها ، لا تغيضه الرمية ، يريدها ، ما يغيضه حقاً هو أنه ما أن ينفض التراب بعد السقوط حتى يجد نفسه في حضن اللغة ذاتها ، إذ ما من شيءٍ بعيدٍ عنها ، تركله من جديد و من جديد يسقط بعيداً و من جديد ينهض من سقوطه و يجد نفسه في حضنها من جديدٍ ، و يحزنه أن لا جديد في كل هذا الجديد ، كل هذا الجديد قديم يا للحسرة ، يتلعثم العاشق لأنه عاشق ، و ينتهي به المطاف إلى قول كلمات لا تحمل معنى !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.