هذا الوقت سيمضي

خالد الفاضلي

نشر في: آخر تحديث:

صلاحيتها لأوقات الأحزان والأفراح معاً، كانت الجملة (هذا الوقت سيمضي)، ثلاث كلمات نقلتني إلى مربع جديد في عدم فهم الحياة.

يقول أكثركم الآن: يا فاضلي مكتوب في القرآن أحسن منها!

نعم أتفق معكم، لكن لسبب لا أفهمه كثيراً أجدني أقرأ القرآن وعيوني مسافرة إلى الآخرة، فلقد قفز بنا موروثنا الثقافي إلى اعتبار القرآن كتاب آخرة وليس دنيا، ومن ثم فأنا لا أنتمي إلى محظوظين يجيدون تجليس اليقين القرآني على مسارات فهم الحياة اليومية.

يساعد ذلك خلو مكتباتنا من الكتب الفلسفية، القادرة على إخراج عقلي البسيط من دائرة (صعوبة فهم الحياة) وتفكيك معادلات التصادم معها بشكل شبه يومي، إلى حد أرق المنام، والصيام عن الكلام مع الناس.

كانت أحد مهام القرآن أثناء التنزيل، هي الإجابة عن أسئلة أثارها ظهور نبي، أو أسئلة سابقة له راسخة في الوعي الجمعي في مكة ويثرب، ثم الآن تم اختزال القرآن أداة فقهية تشريعية فقط، وتم تعطيل مهمة الإجابة مباشرة أو اقتباس على أسئلة.

يأتي السؤال الأكبر على شكل مربع يحتوي مجموعة أسئلة، ليس أحدها عن سبب وجود الإنسان، لكن أفحمني محاولة فهمي الغايات من زمان ومكان وجودي، أبي، أمي، ثقافتي، وبلدي ، ولاسيما إذا كان في الجوار خيارات أفضل مكاناً، زماناً وبلداً.

يأتي الوجه الآخر لهذه الأسئلة: هل أنا اختياراً أو إجباراً متورط بانتماء فكري محدد ويحدد أطر حياتي اقتصادياً، اجتماعياً، وجدانياً ، ويحقنني بأفكار وأحقاد تجاه الآخر؟

سآتي للسؤال من باب الجيران، وحجم اختلافي عني فيما لو كنت من مواليد إيران، مدينة قم تحديداً، وأنغمس يومياً في أحضان حوزة، فاتحاً صدري وعقلي لمن يؤطرني ويحقنني بأفكار، أحقاد، وينساق ذلك لو كانت تل أبيب مولدي.

يقول الفلاسفة عن الأفكار إنها «حمولة غير مرئية»، وهي -بحسب فهمي- تشمل «الكراهية غير المسببة»، أو الاقتراب من بعض ميزات كلب حراسة تم تدريبه على النباح على الأجساد الغريبة، من دون معرفة نواياها، بينما جر الحذر بعض كلاب الحراسة إلى ممارسة النباحة حتى على ظلها.

يجرني ذلك إلى سؤال عن سبب تورطي (أنا أو هو) في تسخير كل حياتي لخدمة كراهية غير مسببة تجاه آخر لا أعرفه، ولم أتعايش معه، ولم أتفحصه بيدي، وتعاملت مع نواياه وثقافاته كما يتعامل ضابط أمني أو محكمة مع تقرير طبيب شرعي.

أجد أن زمن الكراهية المتبادلة سيمضي، لذلك ارتحت لفكرة تنازلي عن ميراثي في الكراهية، وكل الأفكار الصانعة مني مخلوقاً متوجساً تجاه كل فرد، مجتمع، أو أمه لمجرد أنني مولود في مكان وزمان لم أفهم حتى الآن الغايات من تقاطعهما، لكن لديَّ يقين بأن الكراهية ليست أحدها.

عاشت الكراهية غير المسببة بيننا مديداً؛ لأنها كانت ولا تزال مسامير تثبيت عروش، ومساندة أقليات الأمم والعسكر على السيطرة الماكرة إلى حين يولد يقين بأن (هذا الوقت سيمضي)، ولن تدوم مواسم الكراهية.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.