عاجل

البث المباشر

حمود أبو طالب

<p>حمود أبو طالب</p>

حمود أبو طالب

العـنقــري .. فارس ترجّـل

تحدثنا عن القادمين الجدد إلى الوزارات، وودعنا الخارجين منها وشكرناهم كيفما كان أداؤهم لأنهم قد غادروا وليس من المنطق ولا المروءة نبش ما فات، إضافة إلى أنه لن يفيد. ومع تقديرنا لهم جميعا إلا أنه لا يمكن أن ننسى واحدا منهم، أن نودعه وداعا تقليديا أو نعتبره في عداد الغائبين بعدما غادر مكتبه. أتحدث عن الدكتور خالد العنقري وزير التعليم العالي السابق، إنه حديث فيه من العام الذي يعرفه الجميع، والخاص الذي أعرفه بحكم مواقف ومشاهد عديدة، وتعامل على الصعيد الشخصي ليس فيه مصلحة أو رابطة عمل.
من الصعب أن يصمد مسؤول ما يقارب ربع قرن من الزمن في موقع حساس ثقيل الأعباء مرتبط بتشكيل المعرفة والوعي للأجيال، تتراوحه رؤى مختلفة حد التضاد، وتكتنفه مصاعب لا حصر لها، خصوصا بعدما أصبح ساحة لصراع التيارات والمناكفات الفكرية وتصفية الحسابات، بيد أن العنقري صمد صمودا عجيبا أمام كل تلك الرياح العنيفة وقاد سفينة التعليم العالي بنجاح لتصل إلى ما وصلت إليه، ولو لم يكن على قناعة بقضيته الوطنية ومسؤوليته الكبيرة تجاه المجتمع لأمكنه إيثار السلامة والانزواء بعيدا عن اللهب والضجيج والمكائد التي تحاك في الظلام.
صحيح أنه كان ينفذ رؤية الدولة، ولكنه كان رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في رؤيته وقراراته وحضوره وأسلوب تعامله مع القضايا الكبيرة والملفات المهمة. نقل التعليم العالي من تقوقعه في المدن الكبرى إلى فضاءات المملكة في كل منطقة لتصبح الجامعة علامة بارزة أينما ولى المواطن وجهه، ولطالما رأيته يقوم بزيارات مكوكية متلاحقة عند إنشاء جامعة جديدة ويقف على كل التفاصيل الدقيقة، ويقدم الدعم اللامحدود دون مركزية أو استئثار بالصلاحيات. لقد نفذ حلما وطنيا ضخما وأبدع في إنجازه.
وأما حين نتحدث عن برنامج خادم الحرمين للابتعاث الخارجي فإننا أمام ملحمة أخرى وقصة أسطورية، أقول هذا دون مبالغة لأني أعرف كثيرا مما لم ينشر أو يصل إلى خارج حدود الوزارة من الحرب الضروس على البرنامج التي بدأت منذ إعلانه ولم تتوقف إلى الآن، ولولا أمانة التزمت بها للدكتور خالد لذكرت بعض الأمثلة التي لا تصدق. وعلى أي حال فقد أصبح لدينا وزارتان للتعليم العالي، إحداهما داخلية والأخرى يمثلها برنامج الابتعاث المنتشر في دول العالم، والذي يعتبر من القرارات الوطنية التاريخية.
لن أتحدث عن الجوانب الشخصية لأن أي منصف عرف هذا الإنسان وتعامل معه سيعرف ماذا تعني أخلاق الكبار، وطالما قد ترجل فارس وطني بارز، لا نملك سوى إسداء الشكر والعرفان له، والدعاء له بقليل من الراحة بعد زمن طويل من الجهد المضني.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات