تعليمنا بين حاكمة الدغارير والبرج العاجي

عصام أمان الله بخاري

نشر في: آخر تحديث:

قبل عشرين عاماً كان يدرس معي في اليابان طلاب من دولة آسيوية يستلمون رواتب مجزية من حكومة بلادهم التي ابتعثتهم للدراسة، وبعد سنتين مر بلدهم بأزمة اقتصادية. لم يتردد مسؤولو ذلك البلد لحظة واحدة وألغوا البعثات الدراسية لأولئك الطلبة جميعاً ما اضطر الكثير منهم للعودة وبقية منهم عاشوا حياة صعبة ما بين غسيل الصحون في المطاعم، والعيش سوياً في غرف ضيقة ليتمكنوا من مواصلة دراستهم.. قارن هذا بالمبتعثين السعوديين حول العالم والذين لم تتأثر مكافآتهم ولا مخصصاتهم الدراسية رغم الانخفاض الحاد لأسعار النفط.

إن المنهج السعودي في الاستثمار في التعليم لا يتحدى الأزمات الاقتصادية وحدها.. نعم، فضمن الزيارات الميدانية التي يقوم بها مسؤولو وزارة التعليم لمنطقة جازان وبدعوة كريمة تشرفت بزيارة مدرسة أبو حجر الأعلى الابتدائية في قرية حاكمة الدغارير على بعد حوالي الثلاثين كلم من جنودنا الأبطال البواسل المرابطين على حدودنا الغالية.

هنالك رأيت طلاباً سعوديين صغاراً في السن هممهم كالجبال وطموحاتهم حدها السماء.. مع ظروف الحرب يضطر بعضهم لقطع مسافات كبيرة ليصل للمدرسة التي تم تهيئتها وغيرها لاحتضان ثلاث مدارس في أوقات مختلفة وذلك لدواع أمنية وحرصاً على سلامة الطلبة ومعلميهم..

شدني التنسيق والتعاون بين الأساتذة والطلبة وقادة المدارس وهم يتعاقبون على فصول المدرسة.

وحدثني مدير التعليم بجازان أ.عيسى الحكمي عمن يعيشون في هجر بعيدة ويصعب عليهم المجيء يومياً فيجري تعليم المواد العلمية بشكل مكثف لهم في يومين، ويواصل الطلبة دراسة بقية المواد في بيوتهم.. ولمن يتعذر عليهم المجيء فتم التنسيق مع أعيان القرى والهجر ليقوم الشباب وكبار السن بتعليم الطلاب والطالبات في قراهم وهجرهم.. ولذا فلا تستغرب كلمات الوفد الزائر من البنك الدولي: "شيء لا يصدق أنكم استطعتم في السعودية رغم ظروف الحرب أن تواصلوا الدراسة وتتحملوا أنتم وطلابكم كل هذه الأعباء!".

نعود لليابان عام 2007م.. عندما ذكر محدثكم في محاضرة أن جميع الجامعات الحكومية السعودية مجانية وتخصص الحكومة مكافآت شهرية للطلاب والطالبات.. وتفاجأت برئيس المنظمة اليابانية لهندسة التنمية د.أوراتا شوجيرو يعلق قائلاً: "هذا إهدار للموارد وإنفاق في غير موضعه!". أجبت عليه: "مع تقديري لكم ففي بلادي مهما كان الوضع المادي صعباً يستطيع الطالب والطالبة المثابران الالتحاق بكليات الطب والهندسة وغيرها بل وإعانة عوائلهما والانتقال بهما لوضع اقتصادي أفضل بعد التخرج.. وبالمقابل ففي الكثير من الدول الصناعية أصبح التعليم الجامعي عالي التكلفة على العوائل البسيطة. وخذ عندك الجامعات الحكومية اليابانية التي ارتفعت رسومها ثلاثة أضعاف خلال السنوات الماضية!".

وتجدر الإشارة للفيلم الوثائقي (البرج العاجي Ivory Tower) الذي أنتجته محطة سي إن إن عام 2014م حول ارتفاع الرسوم الدراسية للتعليم الجامعي الأميركي حيث وصل حجم الديون التي اقترضها الطلبة لأميركيون لدراستهم حوالي تريليون دولار وهو ما يتجاوز الديون المترتبة على البطاقات الائتمانية ناهيك عن عجز الطلبة عن تسديد تلك الرسوم لعدم حصولهم على وظائف أو ضعف الرواتب!

وأخيرا،، فبحمد الله لم يتعطل الإنفاق السخي على التعليم يوماً في المملكة رغم كل الظروف والتحديات.. هل تعرفون لماذا؟ إنها القناعة الراسخة لدى القيادة السعودية بأن أغلى كنز تملكه المملكة ليس النفط ولا الغاز بل هو مواردها البشرية الوطنية.. وأختم بكلمات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله،: "لأبنائنا وبناتنا أقول: لقد سخرت لكم دولتكم كل الإمكانات، ويسرت لكم كل السبل لتنهلوا من العلم في أرقى الجامعات في الداخل والخارج، والوطن ينتظر منكم الكثير، فعليكم أن تحرصوا على استغلال أوقاتكم في التحصيل، فأنتم استثمار المستقبل للوطن!".

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.