الزراعة والبحث عن دور اقتصادي..

أيمن الحماد

أيمن الحماد

نشر في: آخر تحديث:

كان قرار مجلس الوزراء إيقاف زراعة الأعلاف الخضراء استراتيجياً ومهماً من أجل الحفاظ على الثروة المائية في المملكة، فبلادنا شاسعة المساحة، وكميات الأمطار محدودة، ومصادر المياه فيها نادرة، ولا مجال إلا لأخذ الحيطة والحذر، وإعداد ما من شأنه تأمين مستقبل المياه في المملكة.. ولعلنا اليوم نشهد بداية لظهور صراعات صريحة وواضحة على المياه في الشرق الأوسط، وهو صراع لم ينفجر حتى الآن، لكننا نشهد اليوم بوادره من خلال التوتر الجاري والمتشنج بين مصر واثيوبيا على سد النهضة كمثال حيّ لأزمة خطيرة قد تندلع في أي لحظة.

بالنسبة للمملكة؛ غني عن القول الحاجة والطلب المتزايد على المياه الصالحة للشرب والتي تقدر ب17 مليار متر مكعب سنوياً، يلقي هذا الرقم بظلاله على استراتيجيات المملكة المتعلقة بالاقتصاد الزراعي بشكل خاص، إذ إن بلادنا ترتوي من خلال تحلية المياه المالحة بشكل رئيسي، وهو ما حتّم علينا جلب أكثر المعدات تطوراً في هذا المجال، ويكلف المتر المكعب للمياه المحلاة 7 ريالات تقريباً، وتعمل المملكة منذ سنوات على توفير تغطية مائية لبلادنا التي تمتاز بتنوّع تضاريسها وتعقد طبوغرافيتها، ونوعية مشروعات مد المياه -لا سيما في المناطق المرتفعة- تعتبر أمراً ملكفاً، لكن رغم ذلك تسعى الحكومة جاهدة لإيصاله.

في خضم ذلك تبرز الزراعة كرافد رئيسي من روافد الاقتصاد، لكن هذا الرافد مرتبط بالمياه ووفرتها بشكل حيوي، ولا شك أن إعداد أي خطة للنهوض بالقطاع الزراعي في المملكة وجعله جزءاً من سلة الموارد الاقتصادية يستوجب تنسيقاً مباشراً مع الجهات المعنية بالثروة المائية، فالخوف من نضوب أو شح المياه نتيجة للمشروعات الزراعية يجعل الكثير يفضل ترحيل المشروعات خارج المملكة في سبيل الحفاظ على الوفرة المائية، لكن ذلك أيضاً ليس من السهولة، أو لا يبرر إيقاف الزراعة في المملكة، إذ يمكن أن تكون الزراعة رافداً إذا تم استخدام التقنيات الحديثة في الري وتم تعزيز الرقابة، لاسيما في سقي النخيل التي تقدر أعدادها بأكثر من 23 مليون نخلة، وتقدر مبيعات التمور فقط بأكثر من مليار ريال في الداخل فقط، لكن من شأن تسويق هذا المنتج الوفير في الخارج أن يثمر رساميل جيدة ويشجع على الاستثمار في هذا القطاع، وتظل الاستفادة مرهونة بالقدرة على التحكم والمراقبة في سقي مشروعات النخيل؛ التي تذكر دراسات مسحية حكومية أنها تسقى ضعف ما تحتاج من المياه، وهذا لا شك عائد لضعف الرقابة وعدم تنظيم هذه السوق الواعدة، وإن سن قوانين زراعية صارمة في هذا الجانب كفيل بمضاعفة محاصيل زراعية أخرى، وهو أمر يسهم في خفض الغذاء في المملكة، ويدفع باتجاه تسويق الفائض إلى الأسواق القريبة.. ولعل التمور تأتي في مقدمة هذه السلع المرشحة للتسويق خارجياً في المدى الأوروبي والأميركي أيضاً.

ولا شك أن تطوير تقنيات ري مناسبة، وانتقاء ثمار قادرة على التكيف مع مناخات المملكة المختلفة والمتنوعة، والابتعاد كلياً عن الزراعة المستهلكة للمياه مهما كان مردودها المالي، يستوجب الاستفادة من الخبرات الدولية والمحلية على حد سواء في الجامعات التي لا يبدو دورها فاعلاً في هذا النطاق.

إن إطلالة على تجارب الدول في مجال تطوير المصادر المائية المتعلقة بالزراعة سيمكننا بلا شك في جعل هذا القطاع نشطاً وحاضراً، فلهذا القطاع شجون في نفوس شريحة كبيرة من المواطنيين الذي يرفضون إلى يومنا هذا ترك مزارعهم والهجرة إلى المدينة، مؤثرين البقاء بجانب زراعتهم التي يرون في الحفاظ عليها حفاظاً على امتدادهم.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.