جلوس النائبات في المجلس البلدي

لمياء باعشن

لمياء باعشن

نشر في: آخر تحديث:

كل الخطط المستقبلية في هذه البلاد تطمح إلى توسيع دائرة المشاركة النسائية في جميع المجالات، وكلها تنطلق من توجهات الاستفادة من الطاقات المهدرة للنساء المؤهلات علمًا ومقدرة، وفتح أبواب الرزق والعمل الشريف لهن، أي أن البلد محتاجة لعطائهن، وهن محتاجات لكسب قوتهن. إن الدافع الرئيس والغرض الأساسي من خروجهن إلى ساحات عمل أوسع هو سد الحاجات، وليس التسلية أو الترفيه أو مزاحمة الرجال. صحيح أن منهن من تطمح إلى تطوير ذاتها وتفعيل خبراتها وتحقيق استقلالها المالي، وكل هذه حقوق مشروعة لها، لكن الأكثرية تحاول أو تعيش دون مذلّة السؤال، وتريد لنفسها حياة كريمة تضمن لها لقمة عيش نظيفة.
لكن المرأة كلما خاضت مجالًا جديدًا في العمل اصطدمت بمحيط ذكوري يربكه حضورها ويزعجه مزاملتها، فيتفنن في اختلاق الأعذار لإقصائها وتعزيز الشعور لديها بأنها تتطفل على مكان رجالي بحت لا يرحب بها.
خاضت نائبات المجلس البلدي انتخابات شرسة وفزن بأصوات الناس الذين ساندوهن، فأصبح من حقهن تمثيل أولئك الناخبين والناخبات الذين دفعوا بهن إلى الداخل، فإذا الداخل ينبذهن ويدفع بهن إلى الخارج. في الاجتماع الأول للمجلس البلدي بجدة اصطدمت النائبتان «لمى السليمان ورشا حفظي» بأعضاء مثلهما ومتساوين معهما في الحقوق والواجبات يعارضون جلوسهما على طاولة الاجتماعات الرئيسة، ويصرون على إخراجهما إلى مكتب منفصل؛ لتجلسا وحدهما خلف حائط زجاجي معتم. حاولت النائبتان إقناع الأعضاء الذين اعترضوا على جلوسهما أن السيدة السعودية تعمل في مواقع عديدة وتشارك في اجتماعات رسمية على طاولة واحدة مع من هي ند لهم في دائرة العمل، وأمام مقاومة العضوتين لمحاولة طردهما من قلب الحدث، تم وضع كرسيين لهما «على بعد مسافة متر» من الطاولة، وبدأ الاجتماع في جو مشحون ومتوتر.
من غير المعقول ولا المنطقي أن المرأة كلما اقتحمت دائرة عمل لم تكن تعمل بها من قبل، أن تُواجه نفس السؤال: أين تجلس؟ في غرفة خارجية؟ في آخر الصالة؟ على اليمين؟ على الشمال؟ وراء حاجز خشبي، أم زجاجي؟ خلف فاصل طوله متر أم مترين؟ السؤال المثار يصدر من شخص لا ينظر لها على أنها صنو ونظير في مجال العمل، بل على أنها امرأة دون الرجال: فقط من هذه الزاوية الضيقة يجري تقييم وجودها الذي يصبح مستنكرًا، ومستهجنًا، ومستبعدًا.
أين تجلس المرأة وعلى بعد كم متر في سيارتها؟ أين تجلس في المستشفى، في المطار، وفي الطائرة؟ أين تجلس في الحرم وساحاته؟ أين تجلس وهي تبيع وتحاسب وتشتري في الأسواق؟ أين تجلس في المطاعم وفي المنتزهات وعلى الشواطئ؟ واضح أن الأماكن كلها متاحة لجلوس المرأة، وأن المعيار هو الالتزام، وأنها ما دامت محتشمة وفي رفقة آمنة فما المانع من جلوسها حيث يستدعي الأمر.
لا بد أن هذا هو ما دار بذهن رئيس المجلس البلدي المنتخب عبدالمجيد البطاطي فخرج ينفي ما دار من نزاع في أولى اجتماعات المجلس، وكذلك فعل نائبه عدنان البار قائلًا: «إن ما حدث اليوم من لغط بين عضوات وأعضاء المجلس البلدي غير صحيح، إنما كان هنالك سوء فهم في مواقع الجلوس والترتيب للعضوات». ليس نزاعًا، وليس لغطًا، وغير صحيح، فقط هو انتزاع نسائي لحق الجلوس في المجلس باحترام وتقدير.

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.