عندما تتحدث الأرقام عن المرض السعودي

عبدالعزيز السماري

عبدالعزيز السماري

نشر في: آخر تحديث:

تشهد المملكة تحولات كبرى في فترة وجيزة جداً، شعارها تخصيص الخدمات مثل الصحة والتعليم ورفع أسعار المياه والكهرباء، وهدفها معالجة الفشل التنموي لأكثر من أربعين عاماً، ومسح صورة الإخفاق في إخراج المجتمع من الاعتماد الكلي على دخل النفط.

غالباً ما تؤدي المعالجة السريعة للأخطاء إلى أخطاء أخرى، ما لم تتم حسب خطة متدرجة، هدفها أولاً رفع الإنتاجية للمواطن وإصلاح السوق، وإدخال المواطن إلى سوق العمل بعد إفراغه من الأجانب، الذين يسيطرون على عالم تجارة التجزئة وأعمال المنشآت وصناعات مواد البناء والصيدليات، ويتواجدون بكثرة خلف رجال أعمال من مختلف فئات المجتمع، ويوجد خلف كل رجل أعمال عظيم مقاول أجنبي ناجح وعمالة سائبة.

قبل الإقدام على تخصيص الخدمات ودفع المجتمع إلى المجهول علينا أولاً أن نتذكر الدراسات الإحصائية الوطنية، وماذا أفصحت كما أعلنتها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات السعودية، والتي مسحت إنفاق ودخل الأسرة لعام 2013، ونفذته خلال الفترة 15 سبتمبر 2012 إلى 5 أكتوبر 2013، ونشرها الإعلام المحلي في يناير 2015.

وأشارت نتائج المسح إلى أن متوسط دخل الأسرة الشهري، على مستوى المملكة بلغ 10723 ريالاً وللفرد 2062 ريالاً، وبلغ متوسط دخل الأسرة السعودية 13610 ريالات، أي بنقص بلغت نسبته 3.4%، مقارنة مع عام 2007م وللفرد السعودي 2262 ريالاً.

أظهرت النتائج أن مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز ووقود أخرى حظيت بأعلى نسبة من متوسط إنفاق الأسرة الشهري سعودية، وغير سعودية، إذ بلغت 21.2%، تليها مجموعة السلع والخدمات الشخصية المتنوعة بنسبة 19.7%، في حين حظيت مجموعة التبغ بأدنى نسبة من متوسط إنفاق الأسرة الشهري، بلغت 0.5%.

أما بالنسبة للأسرة السعودية، أشارت النتائج أيضاً إلى أن مجموعة السلع والخدمات الشخصية المتنوعة مثلت أعلى نسبة من متوسط إنفاقها الشهري بنسبة 21.2%، تليها مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز ووقود أخرى بنسبة قريبة جداً، بلغت 20.7%، أما أدنى نسبة من متوسط الإنفاق للأسرة السعودية فكانت على مجموعة التبغ إذ بلغت 0.2%.

يُلاحظ من الإحصائية الوطنية أن نسبة الإنفاق على السكن والمياه والكهرباء والغاز ووقود أخرى أكبر من نسبة الإنفاق على الأغذية والمشروبات وهذا تطور جديد مقارنة مع ما كان عليه في عام 2007، وقد تتضاعف بعد الزيادات الأخيرة.

يعتقد البعض أننا نعاني من حالة مماثلة لما يُطلق عليه بالمرض الهولندي، وهو اسم لحالة من الكسل والتراخي الوظيفي أصابت الشعب الهولندي في النصف الأول من القرن الماضي، بعد اكتشاف النفط في بحر الشمال، حيث هجع للترف والراحة واستلطف الإنفاق الاستهلاكي، وبعد أن أفاق على حقيقة نضوب الآبار التي استنزفها باستهلاكه غير المنتج فذهبت تسميتها في التاريخ الاقتصادي بالمرض الهولندي.

الواقع يقول إننا نعاني من مرض أشد فتكاً من المرض الهولندي، فالحالة سعودية مختلفة ونادرة في التاريخ البشري، فالاقتصاد الريعي ولّد حالة في غاية الخطورة، فقد سلم مفاتيح الاقتصاد للأجانب مقابل أتاوة يدفعها الأجنبي للكفيل المؤثر، أو المقاول أو صاحب المؤسسة، ويحرص على استمرار هذه الحالة فئات مؤثرة ومستفيدة في المجتمع، ولذلك هي مستعصية جداً.

فقد سجلت تحويلات الأجانب المقيمين في المملكة مستوى قياسياً جديداً خلال العام 2014، حسبما أظهر تقرير مؤسسة النقد، حيث بلغت تحويلات الأجانب العام الماضي نحو 153.3 مليار ريال، وبحسب هذه الإحصاءات فإن متوسط تحويلات العامل الوافد الواحد في المملكة بلغ نحو 19 ألف ريال خلال العام الماضي.

خلاصة الموضوع أن العلاج الشكلي لن يجدي لأزمة الاقتصاد الريعي الناتج عن الاعتماد الكلي على النفط، والوضع الحالي يقوم على زيادة التكاليف على المواطن بدون وضع مخرجات عملية لزيادة دخله في ظل سيطرة الأجانب على السوق.

لذلك نحتاج إلى وصفة تختلف عما اتخذته هولندا من خطوات لمعالجة مرضها، لأن وضعنا يختلف، ويحتاج إلى خطة عمل تبدأ أولاً بمعالجة سيطرة الوافدين على السوق، وثانياً بوضع حد للفساد الإداري ونظام الاستثناءات الذي يسمح للبعض أن يفرض هذه الحالة المرضية على المجتمع السعودي من أجل مصالحه الشخصية.. والله المستعان.

*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.