عاجل

البث المباشر

هيفاء صفوق

<p>كاتبة سعودية </p>

كاتبة سعودية

من يحدد قيمة الفرد؟

طبيعة الإنسان تعشق دائماً الحرية وتكره القيود والحواجز، لكنه كان دائماً أسير مجتمعه أو الجماعة التي ينتمي إليها. خروجه عن المألوف والمعتاد له ضريبة مخاسر وأيضاً مكاسب، وهو ما جعله يفكر ويحلل في صنع التوازن بما يرغب فيه، وبما يرغب فيه مجتمعه الصغير أو الكبير.

عندما يشعر الفرد بالقيود، أو بالتسلط والتحكم فيه، يبدأ في محاولةٍ نزع ذلك مرة باللين ومرة بالقوة، وفي كل مرة ينجح ويفشل، حتى يتعلم أن هناك حقوقاً وواجبات، وأدواراً أساسية في الحياة لا بد من أن يخوضها، فلا يوجد حرية مطلقة، كما لا يوجد سجن دائماً.

قيمة الفرد تتشكل منذ الصغر منذ نشأته الاجتماعية الأولى، إن حظي بالتقدير والاحترام، وتوافرت بيئة معطاءة قادرة على احتوائه، تعلمه منذ صغره قيمته فرداً داخل العائلة، تزرع فيه الثقة بالنفس، وتنمي فيه القوة والقدرة والعزيمة، التي تشكل فيما بعد شخصية المستقبل، حينها سيصبح فرداً قادراً أن يخوض معركة الحياة بقوة وإرادة، من دون ضعف أو انهزام، والأهم من ذلك أن يكون قادراً على الحب وإعطاء الحب للآخر؛ لأنه متشبع ومتجذر من الاحترام والاحتواء والحب الذي تعلمه منذ الصغر.

هؤلاء لن ينهزموا في الحياة، وإن ضاقت عليهم السبل، وإن عصفت عليهم الظروف وقست عليهم الحياة، تجدهم بعد كل موقف عاصف أو صدمة، ينهضون من الرماد، ويصنعون مستقبلهم من جديد. هؤلاء يختصرون الوقت في الإنجاز والنمو والتطور الإنساني والفكري، الذي من المؤكد سينعكس على النمو الاجتماعي والاقتصادي وغيره من نظم المجتمع.

لكن، لا يعني أن افتقاد البيئة الصحيحة والمتوازنة منذ الصغر يجعلنا نبرر بعض التصرفات غير المسؤولة في أعمالنا، أو حياتنا، أو تقدير ذواتنا، واحترام الآخرين؛ لأن هناك شيئاً مهماً أيضاً، وهو قيمة الفرد التي يصنعها هو بنفسه، نعم فلو كل واحد منا بدأ يندب حظه والظروف، ويسقط على الماضي بعدم إعطائه الفرصة فلن نجد اليوم أحداً منجزاً وفعالاً ومنتجاً.

عندما يكبر الفرد تبدأ مسؤوليته تجاه نفسه، في بحثه عن قيمته الأساسية في هذه الحياة، والتعرف على أدواره المطلوبة منه، أولاً تجاه نفسه، وثانياً تجاه المحيط من حوله؛ الأسرة والمهنة والمجتمع. من المؤكد أن هناك مقومات ضرورية في الحياة وأسساً تجعل الفرد صلباً ومفعماً بالحيوية والإنتاجية، لكن على الفرد نفسه أن يعي بعدما ينضج ويكبر أنه حان دوره في البحث عن تطوره ونموه الفكري والاجتماعي والاقتصادي، فلا يركن ضعفه وقلة حيلته على الظروف؛ لأنه هنا إن ركن واستسلم أصبح فرداً عاجزاً منتهي الصلاحية.

في الحياة مشاهد عدة من أفراد عانوا ظروفاً عدة، لكنهم منتجون فعالون، لا يستكين إلى الخذلان أو الجلوس والتباكي، أو التبلد واللامبالاة، تجدهم حاضرين يعملون ويصنعون، حتى يحصلوا على لقمة عيشهم بعزيمة وقوة؛ لأنهم يدركون قيمتهم كأفراد وإن قسا عليهم الزمن، لكنهم يحتاجون إلى وقت أطول؛ لبناء أسطورتهم الخاصة بهم، وبصمتهم بأنهم أفراد لهم قيمة وكيان ودور كبير أيضاً مع أنفسهم ومع مجتمعهم، وهذا فرق كبير جداً بينهم، وبين أفراد عاشوا حياة كريمة منذ طفولتهم، لكن لم يعرفوا يوماً قيمة الفرد الحقيقية، التي لا تأتي فقط بالمال أو بمكانة الأسرة الاجتماعية؛ لأن كل تلك الصور ظاهرية الشكل، لكنها لا تصنع إنساناً حقيقياً، وهؤلاء للأسف اتصفوا بـ«اللامسؤولية» و«اللامبالاة»، ركنوا إلى اللعب واللهو، أو ركنوا لزاوية الراحة فقط توفير المأكل والمشرب، لكن لا إنتاجية حقيقية وفعالة في المجتمع، وفضلوا أنفسهم أن يكونوا من ضمن الجموع التي تسير بلا رؤية ولا هدف، كتابع ومتبوع، وهذا أصعب شيء تعاني منه المجتمعات غير الواعية.

الحياة تتطلب مسؤوليات كثيرة، من كان يعتقد بأنه يعيش وحده على هذه الأرض فهو مخطئ. هناك شيء مهم يجعل منا قيمة إنسانية عظيمة، وهي معرفة دورنا في الحصول العلم والتعلم والمهارة والمعرفة، فهناك من أكمل تعليمه، وهو في سن كبيرة، وهناك من تعلم المهارات في كسر قاعدة الفشل والبدء من جديد، فلم يخضع لليأس والانهزام.

ومعرفة أدوارنا اتجاه أبنائنا وآبائنا وأمهاتنا، ومعرفة أدوارنا في وظائفنا ماذا قدمنا من جديد وهمة ونشاط، كل هذه الأدوار تعني كلمة واحدة وهي «الإحساس بالمسؤولية»، هذا ما يجعلنا نشعر بقيمتنا الحقيقية كأفراد منتجين وفعالين.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات