وشهد شاهد من أهله

خولة الكريع

نشر في: آخر تحديث:

النسيان الاختياري مرض أصبح منتشراً جداً لدى الإعلام الغربي، لدرجة أنه غدا متلازمة ملحوظة عند الإعلاميين الغربيين والأميركيين، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالمليحة إيران. أقول مليحة لأنها أصبحت في عيون أميركا والغرب فعلاً مليحة، وأصبح المثل القائل «كل ما يفعل المليح مليح»، ينطبق على نظرة أميركا لما يدور في الداخل الإيراني. ولكن نسي الإعلام أننا نعيش في عالم صغير لا يستطيع أي إعلام إخفاء الحقائق حتى وإن اخترنا تناسيها، جل ما يستطيع الإعلام في ظل العولمة التي نعيشها اليوم هو التركيز على ما يريد إبرازه وإهمال ما لا يريد إظهاره.

تداعت لي تلك الاستراتيجية الإعلامية عندما تمت عملية تبادل سجناء بين أميركا وإيران منتصف الشهر الماضي. عملية التبادل هذه أبرمت بنكهة هوليودية ورغبة برسم نهاية سعيدة لجميع الأطراف أو هكذا كانت الأمنيات من الجانب الأميركي.

السجناء السبعة الذين تم إطلاق سراحهم من إيران معظمهم يحمل جنسية مزدوجة، لكن عودتهم إلى الولايات المتحدة لم يرسم لها النهاية السعيدة التي كانت سياسة أوباما تأمل بها، بل كان بداية لإظهار حقائق غفلت أو تغافلت عنها السياسة الأميركية من أجل المليحة.

حصيلة التسامح الأميركي مع إيران، وقدرة إيران على التمثيل البارع لا يمكن أن يلغي الحقائق التي يعلمها من هم في داخل إيران أو من يجاورها بأنها ثعلب لا يتوانى عن المكر كلما تسنت له الفرصة للانقضاض ثم الهرب.

عودة إلى السجناء الذين تحدثوا عن عدم عدالة المحاكمات التي تلقوها في إيران، وما لقوه من معاملة غير إنسانية أثناء وجدهم في السجون الإيرانية، ولعل الرغبة في تركيز الإعلام الغربي على الجانب الوردي من هذا التبادل، جعلت عدداً من متابعي زخم الأخبار يمرون بسرعة أمام شهادة أحد هؤلاء السجناء، ولعلها لن تكون آخر الشهادات التي تكشف عن فكر السياسة الإيرانية وقدرتها الخارقة على خلع رداء العمل الذي تتجمل به أمام أميركا والغرب.

شهادة أحد هؤلاء السجناء، وهو قس أميركي من أصول إيرانية، تحدث في أشد القنوات الفضائية الأميركية (قناة فوكس نيوز) تعصباً ضد العرب والمسلمين عن ما رآه من ويلات وتجاوزات غير إنسانية عاشها وشهد عليها أثناء وجوده في السجون الإيرانية.

وكالة رويتز للأنباء بثت خبراً عن هذه المقابلة جاء فيه: «كشف قس أميركي كان معتقلاً في السجون الإيرانية أن النظام في طهران أعدم بعض السجناء السُّنة بسبب معتقداتهم، وقال سعيد عابديني، الذي أُطلق سراحه من سجن إيراني في إطار عملية تبادل سجناء بين أميركا وإيران في مقابلة مع محطة فوكس نيوز الأميركية، إنه تعرض للتعذيب، وأودع في حبس انفرادي، لرفضه التوقيع على اعتراف كاذب، وأنه شاهد سجناء آخرين يُقتادون للإعدام، وأضاف أن أسوأ شيء شهده عندما اقتادوا بعض السُّنَّة للإعدام وبعضهم كانوا من السجناء السياسيين، مؤكداً أن معظمهم اعدموا بسبب معتقداتهم».

هذا القس الأميركي، ذكر في حديثه أنه تم تعذيبه ليوقع على اعترافات بأنه مذنب لكنه تمكن من التحمل، وكان محظوظاً عندما تم الاتفاق بين واشنطن وطهران لتبادل السجناء، أما الآخرين فلم يكونوا على مقدرة لتحمل التعذيب اليومي، ولم يكونوا محظوظين ليشملهم اتفاق التبادل، فوقعوا على الورقة التي وضعت أمامهم، وتم إعدامهم ظلماً.

هنا أتساءل، ولو لم يخرج هذا القس الأميركي، هل كنا سمعنا بمثل هذا التأكيد الواضح عن ظلم وقسوة هذا النظام حتى لمواطنيه؟ بين يدينا خبر بثته محطة تلفزيونية بعيدة كل البعد عن التعاطف مع المسلمين سنة أو شيعة، الذي أدلى بهذه الشهادة قس جاء بمحض إرادته للحديث عن محنته وما تعرض له، وساق معلومات - وصفها بأنها أكثر ما كان يؤلمه - لأناس شاهدهم وتحدث معهم، وقضوا معه أيام في جحيم السجون الإيرانية، حتى قيدوا نحو المشنقة في ظلم بالغ ومؤلم.

وعلى رغم هذا، مر مثل هذا الخبر من دون فتح تحقيقات ولا توجيه تهم لإيران، ولم نسمع منظمات حقوق الإنسان والعفو الدولية، تلتقط كلمات القس الأميركي، وتعمل على نشر بيانات إدانة واستنكار.

هذا القس الأميركي، الذي تم سجنه منذ عام 2013 نقل شهادة عن سجن واحد هو سجن إيفين في طهران، لكن ماذا عن سجون هذا النظام على امتداد إيران برمتها؟ لا أحد يعلم. وحتى مع تعمد الإعلام إهمال شهادة هذا السجين وغيرة، تأبى حقيقة نظام الملالي، إلا أن تظهر جلية، من خلال الكشف عن زيف الادعاءات الكاذبة لهذا النظام، الذي يزعم بأنه يهتم بمصلحة الشعوب وأمم الأرض، وهو يقمع شعبه ويعذبهم ويقتلهم معلقين على رافعات الإنشاءات. هذا هو الوجه الحقيقي لهذا النظام.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.