داعش: العمالقة الذين هبطوا من الفضاء

لمياء باعشن

نشر في: آخر تحديث:

في مطلع فبراير الحالي، عقد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مؤتمرًا صحفيًا في روما خلال زيارته لإيطاليا، وقبل أن ينتهي المؤتمر الذي شارك فيه وزير الخارجية الإيطالي جنتيلوني بقليل، تعالت صرخات امرأة من الحاضرين في مواجهة محرجة: «أنتم صنعتم داعش.. أنتم صنعتم داعش..»! لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشير فيها أصابع الاتهام إلى أمريكا كصانع لداعش، فتجربة القاعدة ما زالت حية في ذاكرة العالم، ومسؤولية أمريكا في صنعها وتدريبها وتمويلها ما عادت موضع تكهنات بعد الاعتراف الصاعق لهيلاري كلنتون أمام الكونجرس في 2011:
«إن الذين نحاربهم اليوم (القاعدة) هم الذين موّلناهم سابقًا. كنا في موقف مغلق أمام تمدد روسيا في أفغانستان وخطتها للتحكم في آسيا الوسطى.. وكانت تلك فكرة جيدة: لنتعامل مع الحكومة الباكستانية، ولنحشد هؤلاء المجاهدين، ولنحضر بعضهم من السعودية ومن أماكن أخرى، ولنضرب بهم الاتحاد السوفيتي. كان الاستثمار ناجحًا في حينه، لكن علينا أن نحصد ما زرعناه، خاصة أننا انسحبنا من وسط الفوضى التي خلقناها وتركنا المشكلة متفاقمة لتتعامل معها باكستان وحدها».

عندما نصغي لكلمات هيلاري كلينتون نجد أن المنطق يدفعنا لربط تنظيم داعش بأمريكا بناء على سابقة مُعترف بها. لكن أمريكا تتنكر دائمًا لهذا الابن غير الشرعي، وتلقي باللوم على التنظيم الخطير المتطرف الذي أنشأ نفسه بنفسه في ظروف مواتية. ونقرأ في الصحف والمواقع تنقُّل تهمة صنع داعش ككرة البينغ بونغ، فساعة هو صنيعة إسرائيلية، وأخرى هو صنيعة الموساد والسي آي إيه. رجال سياسة ومحللون ومفكرون يحتارون في تحديد نسب داعش، ويميلون إلى إلصاقه بالدول المسلمة لمجرد أن شعار التنظيم هو الإسلام ورايته تخفق بالشهادة وباسم الله العظيم. ويبدأ الترشيح بالدول التي سبق اتهامها بالتنسيق مع القاعدة.


إن الزج باسم السعودية في هذا المعترك الداعشي المريع لا محل له من الإعراب، فالدواعش كلهم يناصبون السعودية العداء، لذا فهي تتعرض دائمًا لهجماتهم الإرهابية ولإساءاتهم وأذيتهم. وحين نبحث عن المستفيد بدلًا من المتضرر، لا بد أن تبتعد دائرة الشك عن السعودية وتحوم أكثر حول إيران التي تتوغل داخل سوريا دون رادع ولا صدام مع الدواعش. لكن إيران تتنكر لأبوة داعش، كما تتنكر لها تركيا، وقطر، وتصر روسيا على أن أمريكا والدول الأوروبية هم من شكلوا داعش ونظموه، فينكر الأوروبيون والأمريكان ويقولون بأنهم في الحقيقة يُحاربونه، فيضيع أصل داعش ومنشأه في زحام الاتهامات وتناقلها بين المرشحين لتحمل وزر هذا النسب المشبوه.


ومن الطبيعي ألا يكون هناك رابط مُحدَّد بين داعش وأي دولة في العالم، فأفراد التنظيم هم أبناء العالم، تجمّعوا كأي جماعة مرتزقة في مكانٍ واحد، لينفذوا مغامرة شيقة ويتلبسوا دور البطولة الجاذب لأي شاب في مقتبل العمر: هم عمالقة بالشكل، أي كما نراهم في مشاهد قطع الرؤوس، أجسام أكبر من الواقع تدفع بقسوة أجساد الضحايا الهزيلة، وهم عمالقة لأنهم وُلدوا كِبَارًا وخرجوا على وجه الدنيا أقوياء، حتى أن دول العالم تُحاول تحجيمهم منفردة أو متحالفة على مدى شهور بكل قوتها وعتادها، (أمريكا بجبروتها وروسيا بطغيانها)، لكنها لم تفلح حتى في إضعاف عملقتهم. وهم عمالقة لأنهم هبطوا من اللا مكان، فلا أحد يعرف هذه الكائنات الضخمة المتوحِّشة، ولا كيف تحوّلت بين يومٍ وليلة من النكرة ومن المجهول إلى قوة عاتية عجزت كل الدول مجتمعة عن هزيمتها.
نقلاً عن المدينة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.