الجريمة

عبد الله الناصر

نشر في: آخر تحديث:

الإرهاب عمل مقيت وبشع حتى ضد بعض الكائنات الحية أو الجامدة، فتدمير جماليات الأرض بلا سبب هو نوع من أنواع الإرهاب، أما تدمير الشجر فهو من أشد هذه الأنواع خطراً..

ولعل بعضكم شاهد ورأى ما تداولته بعض وسائل التواصل من ذلك الفعل الشنيع الذي قامت به مجموعة من الحمقى والمجانين والذين اخذوا -يفحطون- بسياراتهم داخل أحد أحياء الرياض، وهم يتنادون فيما بينهم ويرددون "عاش عاش" ويتضاحكون بشكل بهيمي على ممارستهم السمجة الهمجية وهو فعل يدل على الحقارة والنذالة وقلة الرجولة، ولست أدري ما هو الدافع لهذه الطغمة الفاسدة كي تنتقم من جمالية الأرض بهذه الوحشية غير المبررة..

وكنت قد كتبت أكثر من مرة في هذه الجريدة الموقرة عن مثل هذا العمل التخريبي الذي يدل على هوس ومرض متجذر في بعض النفوس العبثية الشريرة وأشرت إلى حادثه سبق أن رأيتها حيث وقفت سيارة جيب وبها خمسة شبان أمام شجرة سدر هبطوا ولفوا على جذعها سلسلة طولها سبعون ذراعاً، وربطوها في مؤخرة الجيب "اللاندكروزر" وقد فتلوا شواربهم وأخذوا يتنافخون ويتصايحون وينتخون و"الجيب" يخلع الشجرة من أصلها.

هذه الشجرة التي تحكي تاريخاً ربما يزيد على ألف عام أذكر أنها في إحدى رياض الصمان، فقلت لبعض الأصدقاء: لنذهب إليهم نمنعهم من هذا العبث والجنون، وحينما طلبت إليهم أن يكفوا ويتركوا الشجرة قالوا: هل هي ملك أبيك..؟ ما دخلك أنت..؟

قلت: نعم هي ملك أبي وأبيك وملكي وملك كل فرد في هذا الوطن، فلماذا تخلعونها، خلع الله قلوبكم كما خلع عقولكم..؟

لماذا تجرمون في حق هذه الشجرة النادرة التي نبتت في ظروف نادرة..؟ أليست هذه الشجرة تعطي ظلالاً وجمالاً وغذاء للبهائم..؟

ثم هل أنتم محتاجون إليها وخيامكم مليئة بمواقد النار..؟ ثم إن في اليابس وأعواد الأرض عوضاً عن ذلك كله.. وقلت: والله لو كان لي من الأمر شيء، أو كنت قاضياً، لوضعت الاغلال في أيديكم أيها الأنذال.. ألم تجدوا شيئاً في هذا الخلاء الرحب إلا أن تقتلوا هذه الشجرة بوحشية وعنف وعبث مقيت..؟

ألم تتعلموا أن قطع الشجرة معصية..؟ أليس فيكم نخوة..؟ أليس بكم رجولة..؟ أليس لكم دين..؟

ثم ألا تشعرون بحرمتها التاريخية..؟

هلا تخيلتم أنه جلس في ظلها امرؤ القيس، أو عنترة، أو ذو الرمة، أو الفرزدق أو جرير.. أو غيرهم من شعراء هذه الجزيرة الذين تغنوا بشجرها وعرارها وطلحها وسدرها..؟

ويبدو لي أن هذه الظاهرة الاجرامية، استشرت وزاد خطرها، وآخرها، هذا الفسق والعبث الجنوني بالروضة التي اشرت إليها في بداية الحديث...

***

أذكر هذه الحادثة وفي ذهني حادثة أخرى مختلفة كل الاختلاف، تدل على وعي حضاري، واحترام للشجرة، والاخضرار. هذه الحادثة وقعت في لندن، أي في بريطانيا- والتي تعتبر كلها غابة محاطة بالبحيرات والأنهار- ذلك أن شجرة في شارع "كوينزوي" كبرت وتمددت أغصانها وأصبحت تعيق السائرين في الشارع.. وتقدم اصحاب المحال بشكوى إلى البلدية بسبب ما تسببه هذه الشجرة من إعاقة وعرقلة.. فماذا تظنون أن البلدية فعلت..؟ هل تعتقدون انها أرسلت خبيراً كي يكتب تقريراً عن المشكلة، وفي ظل ذلك يتخذ الإجراء المناسب وفقاً لرأي الخبير..؟

أبداً فالمسألة في نظر البلدية أهم وأكبر من أن يربط مصير شجرة غرست في الشارع منذ أمد حتى صارت جزءاً من تاريخه، بتقرير يعده خبير..! وإنما عمدت إلى إرسال خطابات لكل سكان الحي طلبت إليهم الاجتماع في قاعة البلدية من أجل التصويت على مصير الشجرة..! وفعلاً تجمع السكان وصوتوا على وضع الشجرة، وقد فازت الشجرة بالأغلبية الساحقة من الأصوات حول بقائها، وعدم المساس بها، رغماً عن أنوف المارة وأصحاب المحال..

هذه الحادثة ليست وهماً ولا ضرباً من ضروب التخيل وإنما هي حقيقة مثبتة في ملفات البلدية..!

في الحادثتين ترى الفرق بين العقليتين، وبين الثقافتين.. أناس يصوتون على عدم قطع شجرة مؤذية في منطقة خضراء لا يجد فيها المتعفّر حفنة تراب..! وأناس يتمرجلون على قطع شجرة، أو سحق روضة خضراء في صحراء شحيحة محاطة بالرمال، والجبال، والسراب، والعطش، دونما حاجة إليها إلا لإرضاء ما في أنفسهم من شهوة ورغبة في العبث والإفساد والإجرام بحق الجمال والطبيعة..!

* لفتة:

ولست أدري ما هو موقف الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية ورئيسها الامير بندر بن سعود وهو الرجل النشط الحريص من هذا الفعل الجنوني الآثم في حق بيئتنا الوطنية؟

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.