عاجل

البث المباشر

بدو يا رسول الله

قبل عشر سنوات تقريبًا دعانا موظف في القنصلية السعودية بباريس للعشاء في مطعم بشارع (فيكتور هوغو). كان عددنا بحدود عشرة أشخاص، وعندما وصلنا وأخذنا مقاعدنا، سألنا مضيفنا سؤالاً لا يخطر على بالنا عندما قال: من تعتقدون أنه أذكى رجل في العالم؟! وأدلى كل واحد منا برأيه، وكان جوابي على السائل: إنه (آينشتاين)، فخطأنا جميعًا قائلاً: إنه (الغرسون) الذي سوف يأخذ طلباتنا بعد قليل، حيث إن له ذاكرة إعجازية، وأنا تعمدت أن أدعوكم لهذا المطعم بالذات لتشاهدوا بأعينكم هذه العبقرية الفذة.
وأتى الغرسون يسأل كل واحد منا عن طلباته، ولاحظت أنه لا يحمل أي ورقة أو قلم ليسجل فيها الطلبات، وإنما هو يعتمد على ذاكرته فقط، وجزمت يقينًا أنه سوف يخطئ بالترتيب، غير أن عجبنا وصل إلى أقصى مداه عندما حضرت الطلبات كما أردناها من دون أي زيادة أو نقصان.
وأصبحت بعدها دائمًا أضرب المثل بعبقرية ذلك (النادل)، إلى أن كشف لي أحدهم يومًا عن مدى غبائي عندما قال لي: إنه كان يضع في جيبه جهاز تسجيل صغير للأصوات، وعندما يعود للمطبخ يخرج الجهاز ويديره.
عندها دهشت ولم أملك إلا أن أقول: (بدو يا رسول الله).
***
ذهبت مع أحدهم في سيارته للاستماع لمحاضرة في النادي الأدبي بجدة، وعندما وصلنا وجدنا المواقف متكدسة بالسيارات، وذلك قبل توسعة النادي، فما كان من صاحبي إلا أن يوقف السيارة على طرف الشارع، ودخلنا النادي، وبينما كنا نستمع للمحاضر، وإذا بأحدهم يقاطعه موجهًا كلامه للجميع قائلاً: آسف يا إخوان من هو صاحب السيارة (الكورسيدا) الزرقاء المتوقفة على طرف الشارع، نرجوه أن يحركها من مكانها لأنها متوقفة فوق فتحة للتفتيش الصحي، والعامل في داخلها لا يستطيع الخروج منها، فأراد صاحبي أن يقف، فأمسكت بيده قائلاً: اجلس سيبك منهم يا شيخ، إن سيارتك كحلية وليست زرقاء، ولم نخرج إلا بعد أن انتهت المحاضرة، وعندما ذهبنا إلى السيارة لم نجدها، حيث إن المرور قد سحبها إنقاذا لحياة العامل المسكين.
فما كان من زميلي إلا أن يلتفت لي قائلاً بالحرف الواحد: (الشرهه) على أنني رافقتك وسمعت كلامك.
وأخذت أول (تاكسي)، وذهبت إلى منزلي معززًا مكرمًا، فيما ذهب هو إلى مركز أو حوش حجز السيارات (ليكع) الغرامة، و(ذنبه على جنبه)، وأنا مالي.
***
فعلاً: أن تكون محبوبًا هو (ثاني) أروع ما في العالم، أما أن تحب إنسانًا آخر، فهو أروع ما في العالم.
ولكن ما رأيكم بكاتب هذه الكلمات الذي هو لا يحب، ولا ينحب؟!

* نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات