الواقعية المفقودة

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

من مستجدات «الإتيكيت» على المجتمع السعودي كما تقول الطرفة أن الفستق بريال سمّوه «بستاشيو» وصار بعشرة ريالات، والفشار بريال سمّوه «بوب كورن» صار بـ 15 ريالاً، والشاي بالحليب بريال سموه «كرك» صار بخمسة ريالات، وحلوى خدود البنات بريال سموها «مارشاملو» صارت بعشرة، و«الفانيلة» أم رقبة بـ 30 ريالاً سموها «هاي نك» صارت بـ 100 ريال.

مع ارتفاع الأسعار بات السعوديون ومعهم كثير من العرب في حاجة إلى العودة للأسماء السابقة، ولعل هذا أكبر دليل على أن «التغريب» مكلف ومهلك للمجتمع!

السؤال المطروح منذ أشهر في السعودية، وربما في بعض دول الخليج، لماذا لا تنخفض الأسعار بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها، لماذا نتبع البورصات العالمية للأغذية في الصعود نناكبها بل نسبقها أحياناً، ولا نفعل في الهبوط؟

آخر ما قرأت وربما هناك من تحدث عليه ولم ألتقطه، أن‏ منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ذكرت أن أسعار الأغذية العالمية تراجعت في أيلول (سبتمبر) الماضي إلى أدنى مستوياتها منذ آب (أغسطس) من عام 2010، مع انخفاض أسعار المجموعات الغذائية الرئيسة، عدا قطاع اللحوم، يقودها هبوط حاد في أسعار منتجات الألبان.

السوق المحلية لم تتجاوب مع تلك المتغيرات العالمية، أو كان تجاوبها محدوداً لم يغير كثيراً في فاتورة المستهلك، وتعامل التجار لا يعكس التجاوب بمنطقية مع المتغيرات الخارجية المرتبطة بالأسعار، وفروق العملات التي ترتفع وتنخفض ونحن على المنوال نفسه.

هل هناك ما يسميه بعضهم «احتكار القلة»، ربما وعلى نطاق محدود، لكن المؤكد أن هناك ضعفاً في قدرة المستهلك السعودي على التأثير، أولاً لعدم وجود مؤسسات مدنية قوية، والمؤسسة اليتيمة الخاصة به ظلت حديث الصحافة سنوات لصراعاتها الإدارية، وثانياً لأنه مستهلك لا يغير عاداته بسهولة.

السوق تتجاهل أي متغيرات تصب في مصلحة المستهلك، وتتفاعل بسرعة مع المتغيرات التي تساعد في رفع الأسعار، والمستهلك يتجاهل حقوقه، ويتجاهل أن يكون واقعياً في إنفاقه، ثم في استهلاكه، ويقاوم بشدة تغيير أسلوب حياته.

اليوم يكثر الحديث عن «التحول الوطني»، وإذا وضعت له عنواناً فأقرب كلمة ترد إلى ذهني هي «الواقعية»، والناس بدأت تدفع فواتير أعلى للماء والكهرباء والوقود، لأن الواقعية تقول بلزوم مقاربة أسعارها مع أسعار الكلفة، والاقتراب من الأساليب والأسعار العالمية التي ساعدت غيرنا على الترشيد، وهذا حسن، لكن ألا تفترض الواقعية نفسها أن يشتري الناس غذاءهم بأسعار تقارب أسعارها الحقيقية في العالم؟ فيكون ذلك عاملاً مساعداً للناس على تقبل الواقعية دائماً سواء كانت لهم أو عليهم؟

وزارة التجارة السعودية تعمل جيداً بشهادة الجميع، لكن لا تزال الأرقام التي تعلنها عن انخفاض أسعار الاستيراد والجملة في الأغذية والسيارات والأجهزة غير ظاهرة للناس، حتى تساءل بعضهم: «من أين يشتري مسؤولو الوزارة أشياءهم وغذاءهم حتى نفعل مثلهم»؟

علينا إعادة النظر في كثير من أمورنا، وتحديداً في غذائنا، ليس فقط من ناحية مسمياتها التي ضاعفت الأسعار، لكن مدى أهميتها لنا، ومدى واقعية أسعارها.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.