شراكة القطاع العام مع الخاص إلى أين؟

عبد الله صادق دحلان

نشر في: آخر تحديث:

شراكة القطاع العام مع القطاع الخاص عنوان محفز وداعم ومساند للتنمية في بلادنا. والشراكة العادلة بين شركاء التنمية هو مطلب وطني، والأساس في الشراكة هو تحقيق الأهداف الرئيسية التي تبنى من أجلها الشراكة. وشراكة القطاع الخاص مع القطاع الحكومي ليست حدثا جديدا نسمعه بالأمس القريب وإنما هي توجه قديم في بلادنا تطور مفهومه منذ عهد الوزراء الأوائل معالي الشيخ محمد أبا الخيل وزير المالية آنذاك ومعالي الدكاترة سليمان السليم وزير التجارة وغازي القصيبي رحمه الله، حيث أنشئت أشهر الشراكات الصناعية بين الدولة والقطاع الأهلي ومنها شركة سابك للصناعات الأساسية ثم أعقبتها الشركة العقارية وشركات الكهرباء ومن أشهر الشركات الخدمية كانت شركة التأمين التعاونية وشركة النقل الجماعي وشركة الاتصالات ثم ظهر بعدها نموذج جديد للشركات العامة الحكومية وهي شركات أمانات المدن وشركة ثقة التابعة لوزارة التجارة وشركات مماثلة تحت التأسيس كما يقال، علما بأن معظم الشركات المشتركة بين القطاع العام والخاص وعلى وجه الخصوص الأساسية منها تحتفظ الدولة بنسبة الأغلبية في الشراكة ولها القوى التصويتية وقوة الملكية المسيطرة على معظم القرارات الرئيسية بما فيها تعيين أعضاء مجالس الإدارات من الأقلية الأهلية المالكة للحصة البسيطة، مثل ملكية البنك الأهلي وبنك الرياض وسابك وغيرها. وهناك توجه جديد يهدف إلى تحويل العديد من الخدمات الحكومية إلى شركات تمتلك الدولة الأغلبية فيها، وهو توجه غير توجه المستثمرين، وقد يكون هذا التوجه مقبولا لفترة زمنية محددة وهي فترة الإنشاء إلا أنه غير جذاب الاستمرار فيه إذا كانت الدولة هي صاحبة الأغلبية في الإدارة ويبدو وكأن قرار التحول إلى نظام الشركات هو الهروب من البيروقراطية إلى مرونة نظام الشركات في إنجاز القرارات وفي صرف الميزانيات. ومع دعمي ومساندتي للجهود المبذولة للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص إلا أنني أقف مندهشا ومستعجبا للمسار الآخر الذي تتجه له بعض الوزارات والمؤسسات التابعة لها في إنشاء شركات حكومية 100% منافسة لأعمال ومشاريع القطاع الخاص وأصبحت بعض الوزارات تتسابق لإنشاء شركات تابعة لها بحثا عن موارد دخل لها ضمن سياسة التمويل الذاتي التي تستهدف تأمين ميزانيتها أو الأغلب منها من إيراداتها حتى لو كان على حساب القطاع الخاص أو على حساب المواطنين. وعلى سبيل المثال شركات الأمانات التي أنشئت دون رؤوس أموال نقدية وإنما بحصص عينية ممثلة بأراضي الأمانة التي كانت موجهة لاستثمارها من قبل القطاع الخاص وتحولت هذه الشركات إلى شركات منافسة للقطاع الخاص في مشاريعه العمرانية والخدمية، وعلى سبيل المثال شركة البلد الحرام في مكة المكرمة التابعة لأمانة مكة المكرمة التي دخلت في الاستثمار في مجال إعاشة الحجاج وإسكان الحجاج وتخطط لمنافسة شركات نقل الحجاج والمعتمرين داخل مكة المكرمة. وهناك توجه للاستثمار في بناء وتشغيل الفنادق والشقق المفروشة والسكنية وهي جميعها أعمال كانت من أهم أنشطة أهل مكة المكرمة وتجارها. وليس لأهل مكة المكرمة من نشاط منذ القدم سوى خدمة الحجاج والمعتمرين من إسكان ونقل وإعاشة وبيع وشراء. ويقال إن هناك توجها لوزارة الحج لإنشاء شركة تابعة لها تقوم بأعمال خدمات الحجاج لتحل محل مؤسسات الطوافة التي كان ولا يزال يعيش منها الآلاف من أهل مكة المكرمة. وكذلك الحال في مدينة جدة حيث استحوذت شركة الأمانة على معظم الأراضي التابعة لأمانة جدة (وهي في الحقيقة ملكية للدولة) وتسيطر على مشاريع التنمية العقارية والإسكانية وتؤجر خدماتها بأسعار مبالغ فيها للقطاع الخاص.. وأخشى ما أخشاه من أن هذا التحول في عمل الوزارات الحكومية يؤدي إلى إضعاف القطاع الخاص وخفض نموه وبالتالي انخفاض أثره على الناتج القومي. ولا أعلم في الحقيقة عوامل الربط بين التوجه للشراكة بين القطاع العام والخاص والتوجه الآخر المعمول به الآن في بعض الوزارات بإنشاء شركات حكومية 100% للقيام بأنشطة منافسة للقطاع الأهلي. إن تجربة الصين العظيمة في التحول من النظام الحكومي (الاشتراكي) إلى نظام السوق الحرة (النظام الرأسمالي) هي تجربة جديرة بالدراسة خططت لها قبل خمسين عاما ونجحت حتى وصلت إلى مقدمة دول العالم الصناعية، وتجربة روسيا الفاشلة في التحول السريع أدت إلى تخلف الاقتصاد الروسي ولولا ارتفاع أسعار البترول في فترة سابقة لواجهت روسيا كارثة الإفلاس. نعم للشراكة بين القطاع العام والخاص ولكن لماذا الاحتكار ومنافسة الحكومة للقطاع الأهلي. وإذا كان الهدف من إنشاء الشركات الحكومية هو ضمان إيراد لميزانية الدولة نتيجة انخفاض أسعار البترول فرأيي الشخصي قد يكون فرض رسوم أو ضرائب محددة ومؤقتة دون الدخول في منافسة القطاع الأهلي في عمله أو زيادة العبء المالي على المواطنين.

*نقلاً عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.