عاجل

البث المباشر

الاستيلاء على أموال "الضمان"

تصدر خبر وزارة الشؤون الاجتماعية قائمة الأخبار المحلية الأكثر جذباً واستدعاء للانتباه والتوقف، الخبر المؤلم المفرح في آن واحد أفصح عن كف يد ستة موظفين بقطاع الوزارة، والتحقيق مع 30 آخرين ثبت حصولهم على مبالغ مالية من الضمان الاجتماعي من دون وجه حق. فرح جداً أن بادرت الوزارة لهذه الخطوة الشجاعة وذهبت لنقطة موجعة مزعجة في مسيرة عملها، استحلال أو احتلال الضمان الاجتماعي حكاية مستفزة ولم تكن حديثة الولادة والنشأة، لكنها غُيّبت بفعل الانشغال بملفات أخرى وتغليب اليقين بالنزاهة على الشك في كثير من الأوراق المرتبكة على طاولات الفساد، الألم يستقر في أن تعنى شريحة وظيفية بهذه المهمة الإنسانية البالغة الحساسية فيعمدون للتحايل واستثمار اقترابهم من خريطة الإلمام باللوائح والأنظمة ومساطر الحساب والعقاب الداخلية لينضموا إلى مسرحية هزيلة وإنشاء ثروات مالية عالية من ظهر الضمان الاجتماعي المغلوب على أمره، ولنا أن نُجري ما أمكن من العمليات الحسابية وندقق في حاصل الضرب وفوارق الطرح والجمع لجملة من الأرقام العصية على الفهم والتفاصيل الغريبة جداً والعابرة بنا لقناعة متنامية التأكيد في أننا ندقق النظر والاهتمام وحبال التركيز بقضايا هامشية لفترة طويلة، فيما غيرها من القضايا الممتلئة بخطوط عريضة سوداء تتمدد وتتسع وتأخذ طرقاً ملتوية أكثر من المعقول، وبطابع حماية رسمي على الأقل أمام المشهد العام.

هل ستعود هذه الأموال؟ مثل هذا السؤال يكون عصباً مهماً في محور القضية، وإن كانت المبالغ غير ممكنة التسليم إذا ما ارتبطت بمسلسل استيلاء طويل الزمن قديم الأثر، إذ يدخل النظام مع السارق هنا في قصة ملاحقة طويلة ستنتهي في آخر المطاف بعقوبات متنوعة متباينة، وليت أن المعنيين بخط سير المال يسائلون مدمني مال الضمان عن المعلم الأول والمشجع لهم ليمضوا في جرأة كهذه، وماذا يعرفون من تجارب مماثلة في مشهدنا المحلي تشابه تجربتهم الشاذة، فالمتمكنون من خداع أجهزتهم وتضليل قياداتها واستثمار كل الحيل والسبل الممكنة لفعل المحاذير والمحظورات يعرفون بعضهم جيداً ويلتقون في الأفكار الشيطانية والرغبات والأهواء، ما مضى له الموظفون الستة ومن معهم في الفعل والفساد يجعل سؤالنا عن ذهاب الضمان لـ71000 بكل بساطة وبلا وجه استحقاق مجرد سؤال مبكر، فالأمكنة التي تعجز عن تنظيف مساحاتها الصغيرة وقص الأظافر التي تريد أن تطول على حساب البسطاء والضعفاء أمكنة ستعجز قطعاً في تنظيف ما يعلق بها من الخارج ومن يتفنن في خداعها والتلصص على مشاريعها وأفكارها.

التنظيف الذي عمدت له وزارة الشؤون الاجتماعية تستحق عليه الشكر ودليل رغبة صريحة في ردم المستنقعات التي كان مجتمعنا يسمع عنها بل يؤمن أنها حقيقة لكنه غير قادر على كشفها ولا التأكد منها، لأن في ملعب الاستيلاء من يمتلك قدرات بارعة في الالتفاف على أية تهمة والخروج من أي مأزق، المحترفون في سرقة المال العام ليسوا حصراً على مفردة ضمان، لكن الضمان سرقة خفيفة تتضخم ببطء فيما غيرها من السرقات خطط طويلة الأمد تنتهي بضربة خاطفة وسرقة تعدل حصيلة عشرات الموظفين من سرقة الضمان، مرة أخرى.. شكراً للشؤون الاجتماعية لأنها بادرت وقالت الحقيقة وإن كانت مُرة!

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات