أيها الإسلاميون تواضعوا معرفيا

مجاهد عبد المتعالي

نشر في: آخر تحديث:

يسلبون عموم الإنسانية حق التفكير وحق الصواب وحق معرفة الحق، لا يستطيعون النظر للإسلام كدين يسع الصيني والفرنسي والبرازيلي دون أن يحتاج هؤلاء لثورة داعشية في بلدانهم ما داموا يقومون بأركان الإسلام الخمسة، بل ينظرون للإسلام كأيديولوجيا/ مجموعة أفكار اقترحها قادتهم الحزبيون عبر العمل السياسي لعقود طويلة، وغطاها وعاظهم بالآيات والأحاديث لتعطي شعورا وجدانيا مليئا بالدروشة، ليتماهي سلوكهم بشكل خرافي مع معجزات النبوة الخاصة، فيظنوا في أنفسهم ما ليس فيها مما يفطر قلب كل مشفق عاقل على من كان يرى أن الملائكة تحرس ميدان رابعة، ويرى في مرسي العياط الخليفة عمر بن الخطاب.

يأتون بعاطفة صادقة لا يمكن التشكيك فيها، بل يتعاطف معها العقلاء، لكنهم يستسخفونها في جانب الاستماتة في محاولة منهجتها عقليا، فهوية العرب الحقيقية ليست كما يظن الإسلاميون، فمما يذكر في كتب التراث العربي، وأنقله من الذاكرة -التي قد تخطئ في التفاصيل ـ أن إحدى المعارك الإسلامية الشهيرة ضد العجم شهدت تضعضعا في صفوف المسلمين، فالتفت أبو سفيان لهذا الخلل، فاقترح أن يقسم الجيش وفق مرجعية القبائل الكبرى في الجزيرة العربية آنذاك، ثم قال لهم قولته: أما الآن فستعلم العرب قاطبة من أي قبيلة سيدخل الأعداء علينا، فاشتدت عزيمة المقاتلين أكثر من ذي قبل وانتصروا، مما يظهر أن النزعة العربية العشائرية أحياناً أشد قوة في النفوس من نوازع الدين، والسبب أن نازعة الدين تكون مع الله واسع الرحمة والمغفرة، أما نازعة القبيلة فتكون مع العشيرة التي لا ترحم من يجلب العار إليها، ولهذا قرر أحد أشراف العرب الأوائل أن يعود راعياً للإبل في بلاد العرب خيراً من تاجر خنازير في بلاد غير العرب.

ما يطرح هنا محاولة -مجرد محاولة- للاستقراء الموضوعي لحقيقة الحال، لا لتقريره أو الدعوة إليه كنوع من الشوفينية القومية، ولكنه يساعد الحركات الإسلامية على التواضع في قراءة التاريخ من كل الزوايا، دون إنكار فضل الحركات اليسارية في الستينات والسبعينات على الحركات الإسلامية الحالية، رغم أن اليسار العربي كان يجيد التصويب على العدو الصهيوني أكثر من الحركات الإسلامية التي تجيد التصويب على صدور أبناء العروبة المختلفين عنها، والصهاينة على المدرج يصفقون لهذا ويصرخون على ذاك.

فمعظم السيناريو النضالي والتشكيل الحزبي السري قبل المعلن للحركات الإسلامية ما زال يقتات على رجيع الحركات اليسارية في الستينات والسبعينات، فكل ما تراه في أدبيات اليسار عن (النضال المسلح) ستجده في أدبيات الإسلاميين وقد لبس ثوب (الجهاد الإسلامي)، ليتحول مصطلح (الفدائي) إلى مصطلح (الاستشهادي)، حتى الكلمة الشاملة للبشرية في (أوجد لي مجتمعاً إنسانياً كي تجد الإنسان) ستجد سيد قطب قد قام بتحويرها وتضييق أفقها في نظرته لجاهلية المجتمعات المسلمة وحكوماتها لتصبح (أوجد لي مجتمعاً إسلامياً كي تجد المسلم)، حتى الأناركية كأقصى اليسار في إنكار أي سلطة تجدها قد ظهرت في بعض التشكلات الإسلامية كخروج كامل عن المنظومة الإنسانية، ومما زاد من بشاعتها أنها استخرجت من التراث أقبح ما فيه من قطع الرؤوس وبقر البطون لتضيفه إلى عيوب الحاضر ومآسيه التي استفتحها الاستبداد في سجونه.

أورد كل هذا كدعوة للحركات الإسلامية أن تراجع نفسها، وتدرك أن مخرجاتها الفكرية ليست نصاً مقدساً نظل له عاكفين، ولا ما ينطقون به من رؤى يخلطون بها آيات الكتاب الحكيم ليتوهم غير النابه أنه وحي يوحى، بل هي قص ولصق من هنا وهناك، فكما يفعلون مع اختراعات الغرب التي تفاجئهم فيبادرونها بمخدر التلفيق تحت بند الإعجاز العلمي، كذلك فعلوا مع كل أجندات حركات التحرر الوطني بحثاً عن الحرية والكرامة ليصبغوا عليها أسلمتهم الخاصة، كأنما هي انبثاق لحظتهم وليست تاريخا عربيا يخص الأمة العربية وقد تجاوزته ماليزيا المسلمة ولا يعنيها، ولا تشتكي منه الأقلية المسلمة في أميركا الشمالية والجنوبية والصين وروسيا والهند إذا سلموا طبعاً من تنغيصات البعض عليهم بنظرية الحاكمية.

خلاصة كل ذلك أن تتعلم الحركات الإسلامية وغيرها معنى التواضع المعرفي، فمن تواضع صادقاً ارتفع، ولقي حبه في قلوب الشعب، ومن تواضع للجماهير خفض عقله لمستوى الجموع الدهمائية كي ترضى ولن ترضى، فالحكيم يحترم الشعب من احترامه لذاته العاقلة، ولا يشغله الجمهور جوعاً منه للتأييد وعطش الهتاف، فذاك تيه الروح إذ تبحث عن بوصلتها في عيون الناس، فلا تفرق بين شعب متنوع عاقل يتلمس طريق النهضة، وجماهير متقلبة مهووسة تتلمس طريق الثورة، والماكر الحقير يرفع بوجهها خرقته الحمراء والسهام تملأ ظهرها نزيفاً لا ينقطع.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.