البحث عن المأوى في ثنايا الفتوى

أحمد عبدالرحمن العرفج

أحمد عبدالرحمن العرفج

نشر في: آخر تحديث:

الأُدبَاء والشُّعرَاء، والنُّثرَاء والحُكَمَاء، غَالِبًا مَا يَستَشْهدون بالأمثَال، والمَقولات والمُتَرْجَمَات، دُون أَنْ يَفحصوا مَعانيها، لأنَّهم يُركِّزون عَلى جَانِب، ويُهملون الجَوَانِب الأُخرَى.. وحَتَّى لَا نُطيل في الشَّرح، دَعونا نُدغم ونَشبك ونُقحم المِثَال بالمَقَال، أو المَقَال بالمِثَال، حَتَّى تَتَّضح الأمُور، وتَتجلَّى الأحوَال..!

كَثيرٌ مِن الكُتَّاب، يَستَشهدون بمَقولة تُنسب إلَى القَائِد «نابليون بونابرت» يَقول فِيهَا: (اللَّهمَّ احمني مِن أَصدقَائي، أمَّا أعدَائي فأنَا كَفيلٌ بِهم).. هَذه العِبَارة التي يَذكرها القَوم، ويَستشهدون بِهَا بكُلِّ سهُولَة، لَم تَفُت عَلى أَصحَاب العِلم الشَّرعي، حَيثُ تَوقَّفوا عِندَها، وحَلَّلوا مَضمونها، وإليكُم الحِكَايَة:

استَفْتَى أَحَد النَّاشئين مِن طَلبة العِلم؛ فَضيلة الشَّيخ «محمد بن عثيمين» -رَحمه الله-، قَائِلًا: (هُنَالك قَولٌ شَائِع، وهو دُعَاء يَرِد في الكُتب -كُتب مَن يُسمُّون بالأدبَاء- وفي المجلَّات والصُّحف، يَقول: «اللَّهمَّ احمني مِن أَصدقَائي؛ أَمَّا أعدَائي فأنَا كَفيلٌ بِهم»، فهَل يَجوز مِثل هَذا القَول؟)..!

أجَاب فَضيلة الشَّيخ «محمد بن عثيمين» -رَحمه الله- قَائلًا: (هَذا قَول لَا يَجوز. لَو قَال: «اللَّهمَّ احمني مِن كُلِّ مَن أرَاد بي سُوءًا»، صَحَّ. أمَّا «احمني مِن أَصدِقَائي، وأنَا أتكفَّل بأعدَائي!»؛ فهَذا مَعنَاه أنَّه مُعجبٌ بنَفسهِ، وأنَّه قَادرٌ عَلى دَفعِ الأعدَاء. ثمَّ إنَّ صورَة الدُّعَاء هَذه، صورَة مُخَالفة للوَاقِع، فمَن الذي يُخاف مِنهم حَقيقةً: الأَصْدِقَاء أَم الأعدَاء؟ الأعدَاء لَا شَك؛ فلذَلك نَرَى أنَّ هَذا الدُّعَاء لَا يَصح ولَا يَستقيم)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَن أَدلُو بدلوي في هَذا المَقَام وأَقول: يَا قَوم، إنَّنا لَا نَحتَاج لاستيرَاد الأَدعية، لأنَّ لَدينا مِنهَا مَا يَكفينا.. ثُمَّ إنْ بَعض الأَدعية يَتحفَّظ عَليهَا العُلَمَاء، وطَالَمَا أنَّها بهَذه الصورَة، فالأَوْلَى تَركها.. والله تَعالَى أَعلَى وأَعلَم..!!

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.