عاجل

البث المباشر

بروكسل: إنها الفوارق ما بين عقلين

طوال ساعات الليالي الأربع الأخيرة، استمعت أو قرات آراء عشرات المحللين لما حدث في قصة الصباح الدامي للعاصمة الأوروبية، بروكسل. ويؤسفني جدا أنني قرأت أو استمعت إلى مفردة "الوهابية" في بضعة تقاطعات لتحميلها ما يحدث وهذا توصيف خاطئ مضلل للمشكلة. هذا استغلال سياسي رخيص للهروب من قصة اجتماعية ومجتمعية صرفة تعانيها دول الاستعمار القديم في غرب القارة الأوروبية. أولاً، نحن أمام "مكوِّن" مغاربي، تعود كوادر الإرهاب الأوروبي إليه ولا علاقة له ولا صلة لديه بالكذبة الكبرى لمصطلح "الوهابية"، فهؤلاء فلك آخر له ظروفه وثقافته وطرق تربيته.

وخذ في مثال المقاربة، وللتدليل، أن معظم كوادر الإرهاب البريطاني جاءت من مدينة إنجليزية صغيرة اسمها "برادفورد"، وتعود جذور الغالبية الكبرى من سكانها إلى مهاجرين من شبه القارة الهندية ولا علاقة لها بالوهابية ولن تصل الأخيرة إليها مهما كان حجم التضليل والتوصيف الخطأ.

قصة أوروبا مع أبناء مستعمراتها السابقة، والقادمة إليها كسحابة سوداء لا يمكن اختصارها في مسببات الخطاب الديني المتطرف: إنها قصة مجتمع واندماج. هي كالتالي: في مجرد خمس دول أوروبية، يعيش اليوم ما يقرب من 7 ملايين شاب مسلم من الجيلين الخامس والسادس لأبناء المهاجرين القدامى. ومع تقادم الزمن، اكتشف هؤلاء عجزهم الواضح الفاضح عن مجاراة العقل الأوروبي لأسباب جينية وبيولوجية صرفة، وأنا أحمل هذا الوصف على مسؤوليتي الخاصة. وجدت هذه الملايين من الشباب أنفسها تصارع على مراتب الهبوط إلى قاع المجتمع في المنافسة على الصدارة التي يستأثر بها العقل الأوروبي الأبيض، تماما كما يحدث في دوري كرة القدم. تماما، وبالضبط، وجدوا أنفسهم مثل عصافير "البوني" الصحراوية التي تنقل في الأقفاص إلى مهابط الصقور الجارحة التي اعتادت الحياة في منطقة باردة وفضاء واسع مفتوح.

نعم أنا أتحدث عن الفوارق بين عقلين في التركيب الفسيولوجي "البحت". وما يحدث اليوم في أوروبا، أن العقل المهاجر لم يستطع مجاراة ومحاكاة العقل المستقبل. ما حدث للعقل الصغير ليس إلا أنه سئم حكاية عقل العصفور السجين في القفص أمام صقر جارح. ما حدث في أوروبا أن أبناء المهاجرين إليها من مستعمراتها السابقة، وفي الجيلين الخامس وما بعده لم يستطيعوا مجاراة العقل الأوروبي المتطور ولهذا بدؤوا رحلة الانكفاء إلى "كانتوناتهم" المغلقة. هذا ما حدث في برادفورد وهو ما حدث بالضبط في ضاحية "سان دونيه" الباريسية وهو ما يحصل بالضبط في حي "مالوبنيك" في بروكسل: عدم قدرة العقل على المنافسة.

* نقلا عن "الوطن"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة