"غرين كارت" سعودي

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

تبدو إعادة النظر في الشأن الاقتصادي السعودي يوماً بعد يوم مثيرة لاهتمام الرأي العام العالمي، في البداية يهتم المراقبون والمحللون والمستثمرون في أسواق النفط لأي تحرك سعودي كونه يصدر عن الدولة الأكبر إنتاجاً للنفط، والأكثر في حجم الاحتياطات، والأهم الدولة الأكثر رصانة وحصافة عند التعامل مع توازن العرض والطلب. ومع الأحداث الجسام سياسياً واقتصادياً في العالم، يهتم السياسيون والاقتصاديون بتحرك الدولة عضو مجموعة العشرين لأنها لاعب رئيس في سياسة العالم واقتصاده.

واليوم تتسع دائرة هذا الاهتمام نزولاً إلى شرائح أوسع أو وصولاً إلى القاعدة الشعبية من الأجانب، من ملايين الأجانب المقيمين فيها، وأضعافاً مضاعفة منهم من الراغبين في الانضمام إلى ركب العاملين في السعودية، منجم المال، وورشة التعلم الكبرى، ومحطة الانطلاق إلى بقية العالم بالنسبة إلى الكثيرين منهم.

قرأ السعوديون والمقيمون أمس أن من بين الخطط لرفع الإيرادات غير النفطية ابتكار نظام شبيه بنظام البطاقة الخضراء المعمول به في الولايات المتحدة «الغرين كارت»، على أن هــذا الــنظام يمــكن أن يتم تطبـــــيقه على المقــيمين من دون المــواطنين، كونه بـــطاقة إقـــامة لا يحملها المواطنون.

وشرح ولي ولي العهد السعودي النظام الذي تجري دراسته بالقول إنه «نظام سيتيح للشركات وأصحاب الأعمال تشغيل مزيد من العمال الأجانب بما يزيد على الكوتا المخصصة لهم، نظير دفع رسوم إضافية للحكومة عن كل موظف إضافي فوق الكوتا»، مشيراً إلى أن هذا النظام في حال تطبيقه سيدر على الخزانة نحو 10 بلايين دولار سنوياً.

حسناً، تقرأ هذا العنوان ثم تقرأ عناوين أصغر مثل «السعودية تتجه إلى منع تشغيل الوافدين في أقسام الموارد البشرية»، و«السعودية تحظر عمل الوافدين في بيع وصيانة الجوال»، فيتساءل رجل الشارع الذي توجّس من قصة البطاقة الخضراء: هل نحن بصدد زيادة الأجانب أم تقليصهم لإتاحة الفرصة للسعوديات والسعوديين؟

في رأيي أن الحكومة تروم اليوم «فلترة» الأجانب، أي الاحتفاظ بمن هم في مســـتويات وتخصصات أفضل، فالـــشركات والأفراد لن يدفعوا رسوماً إضافية إلا لمن لا يجـــدون بديـــلاً منه، وستـــصبح مهـــمة وزارة العمل، والمجتمع من خلفها، إيجاد هذا البديل، أو في حال وجوده إتاحة الفرصة له، ولعل هذا ما يحدث، ولعله يحدث بتنسيق دقيق.

السعوديون يتحدثون عن نحو عشرة ملايين وافد بينهم يشكلون تقريباً ثلث السكان، ولكنهم يتجاهلون أن ربعهم عمالة منزلية يمكن الاستغناء عنها في حال قيادة المرأة السيارة، وقيادة أفراد الأسرة شؤونهم الصغيرة، وربعهم الآخر عمالة قطاع التجزئة الذين يمكن تقليصهم بوعي المواطن أولاً وإحجامه عن التستر، وفرض نظام وجود ميداني حقيقي لهم وليس على الورق.

أختم بتساؤلات عميقة للكاتب المخضرم الطبيب جاسر الحربش، إذ يقول: «لدينا الآن عناوين كبيرة جداً للتحول الوطني، ولكن ليس لدينا كفاءات وطنية تستطيع المشاركة، ناهيك عن القيام بمهمات التنفيذ.

هل سيتم التحول الوطني باستخدام الطرق القديمة، أي الاعتماد الميداني على الكفاءات الأجنبية واستبعاد الخامات الوطنية من الحصول من خلال الممارسة الميدانية على تجربة النجاح والفشل، للوصول يوماً ما إلى الاكتفاء العملياتي الذاتي؟».

*نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.