المنظومة الأخلاقية

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

بعد وزير الإسكان دخل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في مواجهة مع وزير المياه وقد سبق أن دخل هذا الإعلام في مواجهة مع وزير الصحة الحالي وقبل ذلك مع وزير الصحة السابق. لا شك أن هذه المواجهات من مظاهر الصحة والحيوية. لكن المشكلة أن معظم القضايا التي اثارت المواجهة بقيت على حالها دون حل، والحلول التي سيق لبعضها تحولت إلى مشكلات. مشكلة فواتير المياه الحالية هي حل لمشكلة الاسراف والجور في استخدام المياه ومشكلة ساهر جاءت حلا للفوضى المرورية.. الخ.

من جهة أخرى مازال التفحيط على حاله منذ ثلاثين سنة ومازالت مخارج وتصريف السيول تظهر في أوقات السيول دون رد منذ ثلاثين سنة ومازالت المطارات مشكلة منذ ثلاثين سنة، وهكذا. أين المشكلة إذا عرفنا أن الفلوس موجودة وإرادة الإصلاح متوفرة عند كل أصحاب القرار؟

في ظني لا توجد مشكلة مادية صرفة. كل مشكلة مادية لها بعدها الثقافي أو الإيدلوجي إذا شئت.

السيارة لم تتطور في بيئتنا. تطورت في بيئة مختلفة وظروف مختلفة. تنامت استخدامات السيارة في بيئتها الأصلية ببطء وشقت طريقها في الشوارع وفي النفوس مع القوانين التي تنظم استخدامها حتى تسربت هذه القوانين في ضمائر الناس لتصبح جزءا من إيماناتهم ومنظومتهم الأخلاقية. الأمر مختلف في بلادنا. من استورد السيارة لم يستورد معها منظومتها الأخلاقية. إسراف كبير في استخدام السيارة حتى بلغت حوادث السيارات رقما عالميا بل واخترعنا تسلية قاتلة غير معروفة في بلاد الآخرين اسمها التفحيط.

القوانين ليست مجرد تعليمات بل هي التطور الإنساني النوعي والذي يمضي بالإنسان في مزيد من الحضارة. كلما تحضر الإنسان تكاثرت قوانينه وازدادت تعقيدا. إذا لم تلتحم هذه القوانين ضمن المنظومة الاخلاقية للمجتمع فلا قيمة لها. مواطننا انتقل من الاحتطاب اليدوي الذي كان يشبع حاجاته الأصلية إلى الاحتطاب الترفيهي. امتلكت يداه فجأة أدوات قادرة على إزالة حطب الصحراء في يوم واحد قبل أن تتوفر في منظومته الأخلاقية احترام الطبيعة، نحن نواجه ازمة قبول القوانين المحدثة كأيدلوجيا يؤمن بها الناس ويدمجونها في ضمائرهم لا بوصفها أدوات ضبط وربط وعقوبة وتحد.

لاحظ الصراع مع ساهر. مهما كانت مساوئ ساهر يبقى ساهر جزءا من حماية أرواح الناس وممتلكاتهم. قبل ساهر كان يجب أن يترسخ موقف الناس السلبي من قطع الإشارة حتى يصبح مشابها لموقفهم من السرقة. عندئذ يصبح ساهر جزءا مقبولا من الناحية الأخلاقية. الانصياع له لا يشكل تحديا لإرادة الناس وحرياتهم.

الازمة لا تحل بتجزئة المعرفة. كل ما نواجهه من أزمات متفرقة يعود إلى أرومة واحدة اسمها الوعي والايمان بقيم العصر الحديث. ثمة فراغ معرفي كبير. لا يمكن ان تستخدم الشيء برشد إذا لم تمتلك إيمانا يخصه يجعلك تحترمه كجزء من إيماناتك الاساسية.

الناس في بلادنا ليسوا سيئين ولكنهم يفتقرون لهذا النوع من الإيمان.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.