شدو الربابة في آلام الكتابة

أحمد عبدالرحمن العرفج

نشر في: آخر تحديث:

الذِين لَا يَعرفون مُعَانَاة الكِتَابة، يَعتقدون أنَّها مُجرَّد «شَخَابيط»، يُجيدها أَي شَخص حِين القَبْض عَلى القَلَم، ويُقلِّبه رَأسًا عَلى عَقِب، حَتَّى يَسيل الحِبر عَلى الوَرَق.. لَكن مَن يَحفظون للكِتَابة قَدرهَا، ويَستَشعرون آلَامها العَويصَة، يُدركون جيّدًا أَنَّ الكِتَابَة لَيست «لِعب عيَال»، وإنَّما هي أَشبَه بالتَّحليق في الجَوّ، وقَديمًا قَالوا: «لَا يَعرف مُعَانَاة الطَّائِر المُحلِّق، إلَّا الطَّائِر الآخَر»..!
دَعونا في هَذه الكِتَابَة وكِتَابَات أخرى، نَستَعرض بَعض طقُوس الكِتَابَة عِند الكُتَّاب، لنَعرف لمَاذا وكَيف وأَين يَكتبون..؟!
مَثلًا: سُئِل الكَاتِب الفِرنسي «مارسيل بروست»: «لِمَاذا تَكتُب»؟، فقَال: «لأتعذَّب»..!
أمَّا الرِّوَائي الفِرنسي الكَبير «بلزاك»، فطقُوسه مَع الكِتَابة غَريبَة، حَيثُ كَان يَكتب، وهو يَضع قَدميه في نِصف بَرميل مِن الثّلج، وعَلى رَأسه قُبّعة مِن الصّوف، وكَأنَّه يُعذّب قَدميه، حَتَّى يُعمِّر رَأسه، و»يُمخمخ» في الكِتَابَة..!
مِن نَاحيةٍ ثَالِثَة، كَان شَيخنا «عَبّاس العقّاد» كَسولًا في طقُوسهِ، فقَد رَوَى عَنه مُعاصروه؛ أَنَّه كَان يَكتب وهو مُستلقٍ عَلى فرَاشهِ، مُبرِّرًا فِعلته بأنَّ رَأسه مُتعَب، وجَسده يَرتَاح بهَذا الاستِلْقَاء..!
وأَخيرًا، فإنَّ صَديقنا الكَاتِب الكَبير «عبدالله باجبير»؛ -صَاحب عَشرَات الكُتب، وآلَاف المَقَالَات- قَد وَصف تَجربته مَع الكِتَابَة في كِتَابه: «احذَر أَنْ يَنكسر قَلبك» قَائلًا: (الكِتَابة آلَة جُهنّمية، تُطبَّق عَلَى حيَاتك كُلّها، فالكَاتِب يَكتب وهو يَقرأ، ويَكتب وهو يَأكل، ويَكتب وهو يَقِظ، ويَكتب وهو نَائِم، ويَكتب وهو يَتحدَّث، ويَكتب وهو صَامِت، ويَكتب وهو يَكتب)..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَنْ نَحترم كُلّ كَاتِب وتَجربته الكِتَابيّة، ونَتعَاطَف مَع مُعَانَاته، ولَكن بشَرط -وشَرط مُهم- وهو أَنْ تَكون هَذه التَّجربة العَميقَة؛ حَصيلة خِبرَة طَويلة، استَوعبت مِئَات التَّجَارب الأُخرَى ثُمَّ تَجاوزتهَا..!!

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.