عاجل

البث المباشر

الملذات في السعودية

في القاموس المَلَذّةُ هي شهوة، متعة من مُتَع الحياة وعلى الأخصّ في مجال الحواسّ، أو ما يثير في الإنسان إحساساً جميلاً أو يكون مصدراً لهذا الإحساس كالأشياء والأعمال.

لعل أكبر «فتنة» ابتليت بها البشرية في العصر الحديث هي فتنة الاستهلاك، ولذة الشراء بغض النظر عن الحاجة الحقيقية، وهي فتنة أو ملذة ينسبها كثير من فلاسفة ومفكري العالم إلى النموذج الأميركي الذي قال عنه «تشومسكي»: «لا أمل في مستقبل أفضل للبشرية مع ازدياد اكتساح النموذج الأميركي المادي».

إذاً عزيزي المواطن الخليجي، وربما معك بعض المواطنين العرب أقول لك: لا تحزن، فلست وحدك المتهم بالاستهلاك النّهم، فكل شعوب الأرض باتت اليوم أسيرة لهذه الفتنة التي لم يخرج منها سوى الراسخين في الزهد، أو الراسخين في العلوم والآداب الإنسانية مثل «فرانز كافكا»، الذي يقول: «لا أقرأ الإعلانات، فأنا إن فعلت سأقضي جل وقتي أرغب في الحصول على أشياء».

أكتب وقد فرغت من قراءة كتابة جميلة لمحمد طيفوري عنونها بـ «فتنة الاستهلاك»، وفي الوقت نفسه مررت على عشرات العناوين التي زخرت بها الصحف السعودية، خصوصاً لكتّاب الرأي وهم يواصلون الاحتفال بالرؤية السعودية الجديدة، أو لعلها المتجددة، لأن كثيراً مما تدعو إليه له أصل ديني يرتكز على مبدأ «إعداد القوة» بمعناه الحقيقي، وله أصل تاريخي أشار إليه ولي ولي العهد السعودي حينما تحدث عن المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - وهو أقام البلاد ووحّد أطرافها وأدارها بنجاح مع أبنائه ورجاله من دون نفط.

يبدو أننا في السعودية يجب أن نتعلم تغيير الملذات، نعيد صياغة ما يشعرنا باللذة، نحاول الخروج من العباءة العالمية للاستهلاك، التي قال عنها الفيلسوف الألماني «غريك فروم» في كتابه «الإنسان بين الجوهر والمظهر»: «النزعة الاستهلاكية لدى الإنسان صيّرته ذلك الرضيع الأبدي الذي لا يكف عن الصياح في طلب زجاجة الرضاعة».

سنعرف بعد أن هجرناها طويلاً لذة التماس مع الواقع، في مقابل ما كنا نعتقد أنه لذة الهروب من الواقع، سنقترب أكثر من أشيائنا، أجسادنا ربما، وأفكارنا عن الحياة، أو ما يمكن إجماله عند علماء الاقتصاد والمجتمع بالكلمة السحرية: الإنتاج.

سنكتشف أن لذة تحمّل آلام بسيطة من أجل الشفاء، أفضل كثيراً من لذة «المسكّنات»، وسنعيد في لذة أخرى قراءة أوضاعنا، والتبحّر في ما بين السطور لنكتب من جديد قصتنا، ونمارس حياتنا في شكل جديد.

سنستشعر ملذة أن نعرف كل شيء بوضوح وشفافية، بدءاً بشركتنا «الحلم» أرامكو السعودية، وشركاتنا العسكرية، وانتهاء إلى أصغر تفاصيل «تحولنا»، وليت ذلك يكون مروراً بمصلحة معاشات التقاعد، والتأمينات الاجتماعية، لنعلمَ كيف تدار أموالنا التي تدفع حكومتنا نصفها وندفع نحن العاملون في القطاعين العام والخاص نصفها الآخر، وسنكتشف أن هذه اللذة أعذب وأروع من ملذات الإشاعات، والهمس، والنميمة، وغِيبة رجال قد لا تكون لهم أي علاقة بأي شيء يقلقنا أو يريبنا.

ولعل إحدى أهم الملذات هي شعور بالثقة في اقتصاد لا نفطي يجعل أعيننا ترتاح من مراقبة مؤشرات أسواق الخام في العالم.

*نقلاً عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات