لا استفتاء على الحقوق

أحمد الحناكي

أحمد الحناكي

نشر في: آخر تحديث:

قبل سنوات أجرت محطة «البي بي سي» البريطانية استفتاءً بواسطة الإنترنت عن أفضل ممثل في القرن الـ20، وانتهت النتيجة بحصول النجم الهندي آميتاب باتشان على الأفضل باكتساح. السبب طبعاً لأن الشعب الهندي بكثافته العددية صوّت له فحصل على المركز الأول، بينما لم ينجح في ذلك الأساطير الأميركية والبريطانية، ممن اكتسحوا سابقاً جوائز الأوسكار المصنّفة في القمة عالمياً.

وفي الاستفتاءات التي تحدث في جميع دول العالم سياسياً أو فنياً أو رياضياً أو خلافه، يتم اختيار من لا يستحق أحياناً، لأسباب كثيرة إما شوفينية مثل حالة الممثل الهندي، أو عنصرية كحالة مارين لوبان زعيمة الحزب الوطني اليميني المتطرف في فرنسا، أو تعصباً مثل ما نرى في استفتاءات الجماهير للاعب الأفضل، إذ يتم اختيار اللاعب من ناديهم المفضل.

ومع كل ذلك نتغاضى عن مثل هذه الاستفتاءات التي ليس لها تأثير مباشر في حياة الجماهير (عدا حالة مارين لوبان في الأمثلة أعلاه)، إلا أنك في المقابل لا تستطيع تجاهل الانتخابات التي تمسّ حياة الشعوب مباشرة.

ما أقصده أن انتخابات مباشرة من دون قيد أو شرط لن يصل فيها الأكفأ قطعاً، بل يصل من يحوز على الأصوات الأكثر، وهو عادة ما يكون في ظل مجتمعات دينية أو محافظة رجل دين أو زعيم قبيلة أو ثرياً - إن غلبت الروم-.

في شقيقتنا مصر طالب أحد المعارضين لإعادة جزيرتي (تيران وصنافير) إلى السعودية بإحالة الأمر إلى استفتاء شعبي في مصر، بالموافقة من عدمها، والواقع أن هذا أمر غير منطقي لأسباب عدة، منها أن الأمر ليس شأناً داخلياً مصرياً، ليقرروا الأمر من خلاله، فالحقوق لا يُستفتى عليها. الأمر نفسه ينطبق على الجولان، فسبق للمحتل أن طالب أشقاءنا السوريين بعمل استفتاء لسكان الجولان ورفض السوريون ومعهم الحق في ذلك، فتغيير البنية الديموغرافية منذ احتلال الجولان وتسهيلات وإغراءات وأمور كثيرة تجعل الاستفتاء لصالح المحتل، لكن كل هذا لا يغيّر من حقيقة أن الجولان سورية.

هذا يقودنا إلى قضية تدور في المملكة منذ عقود بين مطالب وممانع، وهي قيادة المرأة السيارة، باعتبار أن المانع اجتماعي وليس شرعياً. ففي تغريدة للدكتور حمزة المزيني أشار إلى أهمية السماح للمرأة بالقيادة، وقدم مبررات قوية، إلا أنه قال في الأخير إنه لكي نبعد الحرج عن المملكة لنعمل استفتاء.

طبعاً أختلف معه تماماً، حتى لو أن الاستفتاء سيكون لصالح القيادة، لأننا في كل جدل سيخرج لنا من يقول لنعمل استفتاءً، فمثلاً تربية الطفل بضربه شيء مرفوض، لكن عمل استفتاء عن تأييد أو رفض ينبثق عنه رفض لقانون يمنع الأهالي من العنف تجاه أبنائهم.

عدا عن هذا وذاك، تعلمنا أن الاستفتاء يعبّر عن جزء من الحقيقة وليس الحقيقة كاملة، فطريقة السؤال، وطريقة الجواب، وعدد المشاركين، والتخوف من الجديد، كل هذه عوامل تؤثر في الاستفتاء. الأمر الآخر، لماذا يُستفتى في أمر ليس فيه مانع شرعي؟

هل يا ترى يقبل الرجال أن يجري استفتاء لإصدار قانون ألا يتزوج رجل امرأة أخرى مع زوجته من دون موافقتها؟ قطعاً سيثورون ويحتجون على أي استفتاء يتعارض مع حقوقهم، مع أن الاستفتاء هنا له مبرراته الإنسانية، فما بالك والمرأة تطلب أن تقود السيارة، وأن يتم السماح لها من دون أن يعني هذا إلزاماً للنساء اللاتي لا يردن ذلك.

أخيراً، أتمنى من أولي الأمر كما عودونا في المسائل الحيوية، ألا ينتظروا في أمور تمّ حسمها في كل بقاع الأرض، وإذا كنا نحلم برؤية جديدة، فيجب ألا تعوقنا هذه الصغائر التي مهما بدت للبعض شأناً هامشياً، إلا أن لها وقعاً سلبياً جداً لدى الرأي العام العالمي من جهة، وغصة في النفس لدى المرأة السعودية من جهة أخرى.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.