شركات الاستقدام واستنزاف المواطن

نبيلة حسني محجوب

نشر في: آخر تحديث:

لم أكن أتصور أن ترتفع أجرة العاملة المنزلية بهذا القدر المبالغ فيه والذي يعجز عنه كل الناس إلا من رحم، وأقصد بمن رحم؛ أصحاب الملايين والمليارات حيث تمثل آلاف الريالات بالنسبة لهم «شوية فكة» لا يمكن أن يتوقفوا عندها لحسابها أو التفكير في إنفاقها، فلم أُصدِّق أن قيمة استئجار عاملة منزلية لا تجيد حتى الطبخ لمدة ستة أشهر فقط من مكتب استقدام (17000) ريال؛ إلا عندما حكت لي صديقتي عن أزمتها مع العمالة المنزلية، وسفر عاملتها فجأة فاضطرت للاستعانة بمكتب استقدام من هذه المكاتب التي تصلنا دعاياتها بشكل مستمر لكننا لم نهتم بالسؤال عن الأسعار، بل فرحنا لأنها ستضمن لنا عدم هروب العاملة أو تعويضنا بعاملة أخرى في حالة هروب الأولى بعد أن اكتوينا بنار هروب العاملات وضياع شغفنا وجهدنا وانتظارنا وصبرنا وأموالنا.
شركات الاستقدام حسب النظام الجديد تضمن التعويض في حالة هروب العاملة، لكن الأسعار أعلى من مستوى المواطن من الطبقة المتوسطة ودون المتوسطة، أي أنها أسعار مبالغ فيها جدا، كنا نشكو من أسعار مكاتب الاستقدام وكانت بين أربعة وسبعة آلاف ريال، بعدها يمكن أن تستمر العاملة سنوات عندما تجد حسن المعاملة وترتاح إلى الأسرة، وهذا في الحقيقة كان يصبرنا على مكاتب الاستقدام لأنها كانت وسيلة تواصل مع العاملات والسائقين وبعد ذلك «شختك بختك»، أي «يا تصيب يا تخيب»، وغالبا تصيب، ونادرا ما تخيب، وكانت العجلة دائرة و»يا دار ما دخلك شر»، لكن بعد أزمة العمالة الإندونيسية وأزمة هروب العاملات كان الأجدى القضاء على أسباب المشكلة والقبض على سماسرة العمالة بأشكالها، لكن وقف الاستقدام للأفراد، بينما يحق لمكاتب الاستقدام استقدام العمالة الإندونيسية بشكل خاص وهي العمالة التي ارتاحت لها الأسرة السعودية رغم الحوادث التي حدثت من الطرفين والتجاوزات، إلا أنها قليلة وشاذة على المجتمع السعودي ولا تستدعي كل تلك الأزمة المفتعلة وتوجيه الأسرة السعودية للتعامل مع جنسيات بعيدة كل البعد عن ثقافة الأسرة السعودية كإثيوبيا وكينيا وغيرها من الدول التي لا تجيد عاملاتها العمل المنزلي، ونتيجة لفشلها في مواجهة التأقلم مع الأسرة السعودية ارتكبت العديد من الجرائم كرد فعل طبيعي للإحساس بالعجز والغربة والضغط النفسي من الأسرة التي تريد مقابل ما أنفقته من مال ووقت وجهد في سبيل الحصول على عاملة تكون عونا لها لا عليها، لكنها للأسف دفعت أضعاف مضاعفة ولم تجنِ إلا الندم.
لم استوعب منع استقدام العاملة من إندونيسيا للأفراد، بينما يسمح لمكاتب الاستقدام، ويترك لها الحبل على الغارب لوضع المبالغ التي تقررها دون نظر لمستوى الدخل المتوسط للمواطن السعودي ودون حماية من الجشع ومخالفة الشروط، صديقتي التي دفعت (17000) ريال بالتمام والكمال، من أجل عاملة إندونيسية تُجيد الطبخ، جاءتها عاملة لا تجيد شيئا، مضطرة للقبول بها مع عدم التزام الشركة بالشرط لأنها لا تستطيع الانتظار كي تعيد العاملة وتأتيها أخرى ربما لديها عيوب أكبر من مجرد الجهل بالمطبخ.
ثقافة «وجها تعرفه، أحسن من وجه لا تعرفه»، بالإضافة إلى الاستسلام والصمت في ظل عدم وجود جهة رسمية تحفظ حقوق المستهلك هي التي جعلت المستهلك فريسة للجشعين والطماعين وأصحاب الضمائر الميتة.
السوق السوداء للعاملات ستزداد في ظل الوضع الرسمي الذي لديه معيار واحد يقيس عليه، لم تعد العاملة المنزلية صورة من صور الرفاهية بل كثير من الأسر متوسطة الحال والفقيرة تكون في أشد الحاجة إلى من يساعد الأم على رعاية أطفال أو كبار ذوي احتياجات خاصة، أو أم مريضة لا تستطيع العناية بصغارها ولا تملك ألف ريال لا، (17000) ريال، تدفعها لمدة ستة أشهر فقط، ثم يدفع مثلها لمدة مماثلة وهكذا إذا كان المجتمع يعاني أزمة السكن «المنزل» والإيجار المرتفع هل نلقي عليه معاناة استئجار عاملة منزلية أيضا. النظر إلى أعلى يكسر رقبة المواطن لا المسؤول الذي يضع مثل التنظيمات، فقد تعمَّد النظر لأعلى، ولم يُكلِّف نفسه النظر حوله، على الأقل لرؤية حالة المواطنين الذين لا يملكون غير رواتب محدودة ونفقات غير محدودة، مجبرين عليها لتسير حياتهم بطيئة ثقيلة بحمل المسؤوليات المتعددة التي تثقل كاهلهم.

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.