لنوازن بين العطاء والفرص

سهام عبدالله الشارخ

نشر في: آخر تحديث:

في إحدى المقابلات التي أجريت مع المعمارية العراقية البريطانية المتفردة زها حديد والتي توفيت مؤخراً -رحمها الله- وهي في أوج عطائها وإبداعاتها، سألتها المذيعة العربية عما إذا كان ما وصلت إليه هو قمة النجاح، فأجابتها أنها لا تعرف أين هي القمة، لأنها لا تفكر بهذه الطريقة، ولا يعني ذلك أنها تعمل بلا هدف، ولكنها في حالة اكتشاف مستمر لما هو ممكن ومعقول، وتجربتها في العمل والتعليم علمتها أن الثقة هي التي تقود إلى النجاح والإنجاز، والثقة تأتي من التعلم والعمل المستمر، وعندما طلبت منها المذيعة أن تصف نفسها، أجابت أنها لا تفكر بنفسها، بل ليس لديها وقت لتفكر بنفسها، ولا ماذا تكون، وحتى عندما تكون بمفردها فهي تفكر بأشياء كثيرة، وبما عليها أن تفعله.

زها حديد -رحمها الله- لم تكن تفكر بنفسها لأنها مشغولة بمشاريعها وتصاميمها الخلاقة، ولأنها في حالة تحفز للعمل والاكتشاف والمغامرة في مجال فيه صعوبات وتحديات كبيرة وهذا ما يميز الإنسان المبدع والجاد، إنه يركز على العمل أكثر من الكلام، وعلى البحث عن الإلهام أكثر من السعي وراء المديح، ولذلك على المرأة أن تخفف من الشكوى والتذمر، وتستغل الوقت والفرص المتاحة لها، وتنصرف للعمل والمشاركة في حل مشكلات الوطن بكل طاقتها إذا أرادت أن تأخذ المكان الذي تريده، لأن مجالات التعليم والعمل والارتقاء مفتوحة لها أكثر مما كانت بالنسبة للأجيال السابقة، فقد وصلت إلى مراكز عالية في العمل، وهي موجودة الآن في كل مكان، في المدارس والجامعات والإدارات والمستشفيات والشركات والبنوك والوزارات والمحلات التجارية، في الصحافة والإعلام وفي مجلس الشورى، ولها أن تنشئ وتدير أعمالها الخاصة، وما عليها إلا أن تتثقف وتنمي مهاراتها، وتعرف قدراتها، وتحدد خياراتها وتمضي في طريقها بثقة دون أن يكون هدفها التفوق على الرجل أو على غيرها من نساء العالم، بل هدفها نجاح وكرامة الإنسان رجلاً كان أو امرأة.

أما الحديث المتكرر عن المعوقات والمحبطات فلا جدوى منه، فالأبواب لا توصد بوجه الإنسان الجاد الطموح، ليس لأن الأمور سهلة والطرق معبدة ولكن لأن الجاد لا يعرف اليأس ولا التراجع، ولا يرمي مسؤولية تعثره على الظروف وعلى الآخرين.

كما أن الحديث عن الإنجازات والمطالبة بالحقوق يستوجب الإشارة أيضا إلى مواطن التقصير ونقاط الضعف وما هو مطلوب تغييره؟، وإلى أي حد كان إنتاج المرأة وعطاؤها متناسباً مع ما أتيح لها من فرص وإمكانات لم تحصل عليها المرأة في بلاد كثيرة؟

إن التعاطي بهذه الطريقة العقلانية يجعل المرأة -وهذا ينطبق على الرجل أيضا- أكثر مصداقية وواقعية وإيجابية في النظر إلى الوضع القائم، وأكثر حماساً للتغيير.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.