المحافظون الجدد وتجهيز مسرح العمليات

عبد الله موسى الطاير

نشر في: آخر تحديث:

الأسبوع الماضي أشرت في هذه الزاوية إلى أن فكرة محاسبة الدول الراعية للإرهاب لم تولد في سبتمبر 2015م، ولم يقصد بها السعودية تحديدا، وإنما نشأت خلفيتها الأيديولوجية في ثمانينيات القرن الماضي، وأن السياق التاريخي والفكري يطرحان أسئلة حول دور المحافظين الجدد في وصول الرئيس رونالد ريجان للحكم، وما هي الصفقة التي تمت بين فريقه والحرس الثوري الإيراني؟ وكيف بول وولفيتز وهو مساعد وزير الدفاع الأميركي في منتصف عام 2001م عندما تم تحذيره من هجمات للقاعدة قد تشنها في العمق الأميركي؟

احتجز الدبلوماسيون الأميركيين في طهران في نوفمبر عام 1979م، وفي العشرين من نفس الشهر اقتحم جهيمان الحرم المكي، وفي ديسمبر من العام نفسه احتل الروس أفغانستان. وفي ذلك العام أيضا ترشح رونالد ريجان للرئاسة ضد الرئيس الديمقراطي كارتر الذي كان يبحث عن ولاية ثانية في انتخابات 1980م. وبذلك يكون عام 1979م قد شكّل مخاضا لما بعده من أحداث عصفت بالعالم.

المحافظون الجدد تبوأوا السلطة داخل إدارة الرئيس ريغان ممثلين في كل من بول وولفويتز، وريتشارد بيرل، إليوت أبرامز، ومايكل ليدين.

ولا شك أن تمكن الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر من الإفراج عن الرهائن كان سيزيد من حظوظه في الفوز بفترة رئاسية ثانية، إلا أن ذلك لم يحدث فهل كان إخفاق كارتر بريئا؟

ألمح كاتب التحقيقات الصحفية روبرت باري Robert Parry، في مقالة له بعنوان "عندما فضّل الإسرائيليون والمحافظون الجدد إيران" إلى أن إدارة الرئيس ريغان وقعت في مأزق حول إخطار الكونغرس وبالتالي الشعب الاميركي بشأن الموافقة على شحنات الأسلحة إلى إيران، فسارعت في منتصف عام 1981م -أي بعد عدة أشهر من اطلاق الرهائن- إلى ابلاغ الكونغرس بأنها سمحت لإسرائيل بنقل الأسلحة إلى إيران، وهو إجراء أغضب الأميركيين وأثار الشكوك في أن الجمهوريين قد عقدوا صفقة مع إيران ترجئ اطلاق سراح الرهائن الأميركيين من أجل هزيمة كارتر لصالح مرشح الجمهوريين ريغان.

هذه التلميحات، عندما يجمعها الكاتب إلى جانب اجتماعات سرية جرت بين جمهوريين تبوأوا لاحقا مناصب أمنية خطيرة في عهد الرئيس ريغان وبعض الرموز الإيرانية التي تنتمي إلى ولاية الفقيه يعزز فرضية التعاون بين فريق الرئيس ريغان والحرس الثوري الإيراني لتأخير الإفراج عن الرهائن لأغراض حزبية انتخابية.

بول وولفيتز الذي شغل منذ الشهر الثاني لولاية الرئيس ريغان عدة مناصب سياسية كان ضالعا فيما يعتقد أنها صفقة مريبة مع الإيرانيين، وهو الشخص نفسه الذي تقلد منصب مساعد وزير الدفاع، ولعب دورا مع بقية المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية 2001-2009م في احتلال أفغانستان والعراق.

يروي الجنرال وزيلي كلارك القائد الأسبق لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أنه دخل على بول وولفيتز يبارك له تحرير القوات الأميركية الكويت، فكان رده باردا لأن المهمة لم تنه حكم صدام.

وعندما حذر رئيس مجلس الأمن القومي لمكافحة الإرهاب ريتشارد كلارك من هجوم إرهابي وشيك على الولايات المتحدة قد يشنه تنظيم القاعدة وذلك في منتصف عام 2001م، صرخ فيهم وولفيتز: "لا أفهم لماذا نحن مصرون على الحديث عن ابن لادن دون غيره؟" وبحسب شهادة رئيس جهاز المخابرات الأميركية جورج تنيت 1996-2004م فإن تحذير CIA للرئيس بوش عن هجوم وشيك للقاعدة على أميركا قابله ادعاء بوول وولفيتز بأن أسامة بن لادن يخدع CIA من أجل صرف انتباه الأميركيين عن الخطر الذي يمثله صدام حسين.

إن تقديم مشروع قانون معاقبة الدول الراعية للإرهاب هو امتداد لرغبة عارمة لدى المحافظين الجدد في الهيمنة الخيّرة لأميركا عن طريق تغيير الأنظمة والتصرف الأحادي في شؤون العالم.

وإذا وضع مشروع القانون في سياق الحملة الإعلامية الأميركية على السعودية فإنه لابد لنا من النظر بجدية فيما كتبه بول كريج روبرتس من معهد الاقتصاد السياسي، ومؤلف كتاب "تهديد المحافظين الجدد للنظام العالمي"، حيث فسّر الحملة على السعوديين في مقالة بعنوان: "كذبة 11 سبتمبر: السعودية هاجمت أميركا" بأنها لمعالجة تآكل ثقة الجمهور الأميركي في الرواية الرسمية لأحداث 11 سبتمبر 2001م والتي تتحداها آراء مطردة لخبراء موثوقين. ولذلك فمن أجل إعادة توجيه شكوك الجمهور يجري "ذر الرماد في العيون" من خلال تصعيد الخطاب ضد السعودية مجددا للتعمية على الرأي العام من جانب، ومن جانب آخر إعادة توجيه الشبهة بما يخدم غايات الخطة الأصلية للمحافظين الجدد في تغيير الأنظمة مستثمرين المشاعر السلبية للشارع الأميركي ضد السعودية. ويضيف روبرتس بأننا نعيش عملية تضليل تقوم بها الدولة العميقة ليس للتستر على السعوديين في قضية إخفاء 28 صفحة من تقرير تلك الأحداث وإنما لحشد مشاعر العداء وبناء رأي عام داعم لأي قرار أميركي ضد السعودية.

مجمل ما يحدث هو حراك له ما يبرره في عمليات الترويج والاستقطاب المتبادل بين الأحزاب والنخب السياسية في فترة الحملات الانتخابية، ومن جانب آخر فإنه من غير المستبعد أن مكنة المحافظين الجدد مازالت تعمل حتى في غيابهم، وأن السعودية وبقية العواصم العربية التي لم يصبها طاعون الربيع العربي ماتزال في دائرة الاستهداف. ولكن في الوقت عينه فإنه من المهم ملاحظة ما طرأ من تعديلات تكتيكية على خطط المحافظين الجدد الذين وصلوا لقناعة بعد احتلال العراق، وجراء فشل الربيع العربي بأن القادمين على الدبابات الأمريكية ليس لهم مصداقية ولا عمق اجتماعي ومخزون ثقة يمكنهم من المحافظة على نتائج الجهد العسكري الأمريكي في تغيير الأنظمة. كما أن القيادات التي أفرزتها ميادين الربيع العربي سواء المادية أو الافتراضية ليس لديها التجربة الكافية للحكم، ولا القبول الواسع لتحقيق الاستقرار. ولذلك فإن التهميش الذي أدخل على خطة تغيير الأنظمة يقضي بوجود دعم داخلي من النخب المؤثرة في القرار وذات الثقة والمصداقية لتكون هي رأس الحربة في تغيير الأنظمة، ومن ثم أساس بناء استقرار ما بعد التغيير.

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.