الفرق بين حوكمة الشركات والوزارات

سطام عبدالعزيز المقرن

نشر في: آخر تحديث:

أعلن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أخيراً، إطار تطوير نظام حوكمة متكامل لـ"رؤية المملكة 2030"، وذلك لضمان مأسسة العمل الحكومي، ورفع كفاءته، وتسهيل تنسيق الجهود بين الجهات الحكومية ذات العلاقة، حيث سيتم وضع وتحديث آليات اعتماد تمويل البرامج والمبادرات، وتطوير إطار النفقات وتعزيز الشفافية والمساءلة، بالإضافة إلى التأكد من مدى التزام الجهات بتحقيق الأهداف الوطنية.

والسؤال المطروح هنا: ما هي الحوكمة؟ وما الهدف منها؟ فكثيراً ما نسمع عن "الحوكمة" في الشركات والمؤسسات فقط، فكيف ستكون في الوزارات والدوائر الحكومية؟ ناهيك عن غموض المصطلح في الأساس، فبالرغم من وجود تعريفات متعددة لمفهوم "الحوكمة" إلا أن الكثير من الناس لا يدرك هذه المعاني على أرض الواقع وبعبارة أدق في واقع العمل والمجتمع الوظيفي سواء في الشركات أو الجهات الحكومية.

إن سبب ظهور مفهوم "الحوكمة" يعود إلى انهيار بعض الشركات الكبيرة وكذلك الفضائح المالية وحالات الفساد، وتراجع مستوى الثقة في مهنة المحاسبة والمراجعة، حيث يقول (توماس ستيوارت) في كتابه ثروة المعرفة ما نصه: "لقد قضت المحاسبة التي نحبها منذ زمن طويل، ولم تدفن بعد.. فخلال الأعوام العديدة الماضية، ثبت وجود أوجه قصور في محاسبة العصر الصناعي مراراً وتكراراً.. المستثمرون يتعرضون للتضليل بانتظام.. والعالمون ببواطن الأمور (أي المديرون) استفادوا من معلومات لا يستطيع المستثمر العادي الوصول إليها"!

وعلى هذا الأساس، قامت المنظمات الدولية والأجهزة الرقابية بوضع مجموعة من المعايير والقواعد بهدف المساهمة في تحسين مستوى الأداء وتوفير الرقابة الفاعلة، وذلك تحت إطار "حوكمة الشركات"، والتي أصبحت من أهم متطلبات الإدارة الرشيدة في الشركات والمؤسسات في مختلف دول العالم، وتعتبر من آليات استكمال عمليات الإصلاح الإداري والمالي والتطوير المؤسسي من خلال تعزيز مبادئ العدالة والشفافية والإفصاح، وإيجاد البيئة الرقابية الفاعلة وتعزيز المساءلة لتحقيق أهداف الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص.

وتهدف "الحوكمة" في الشركات إلى حماية أصولها وممتلكاتها، وإدارة استثماراتها بكفاءة، بالإضافة إلى تحسين الأداء الاقتصادي وزيادة الإنتاجية، كما توفر الاطمئنان لدى الملاك والمستثمرين وحملة الأسهم، نحو تحقيق عائد مناسب لاستثماراتهم مع ضمان الحفاظ على حقوقهم، من خلال مساعدة إدارة الشركات في تحقيق الأهداف واتخاذ القرارات المناسبة..هذا باختصار شديد عن الحوكمة في القطاع الخاص، لكن ماذا عنها في الوزارات والدوائر الحكومية (القطاع العام)؟

إن من أهم أسباب الاهتمام بالحوكمة في القطاع الحكومي يعود إلى تدني مستوى أداء الجهات الحكومية، وتداخل الصلاحيات والمسؤوليات وضعف الإنتاجية، وغياب المساءلة، بالإضافة إلى ضعف المنظومة الرقابية ككل، وتدني مستوى الإفصاح والشفافية، وظهور حالات للفساد المالي والإداري، ومفهوم الحوكمة يهدف إلى إخضاع نشاط الجهاز الحكومي إلى مجموعة من الأنظمة والقوانين، والسياسات والمعايير والإجراءات التي تحقق الانضباط المؤسسي في إدارة الجهة الحكومية من خلال تحديد مسؤوليات وواجبات المسؤولين في الإدارة العليا والتنفيذية.

وتهدف "الحوكمة" في القطاع الحكومي إلى المحافظة على المال العام لكونه وسيلة الدولة في تقديم وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وضمان حقوقهم بحيث تكون الخدمات الحكومية متميزة بالوضوح والتحديد وعالية الجودة، من خلال التخطيط ومراجعة القرارات وتحديد طرق قياس الأداء والتعرف على آراء الناس بغرض التحسين والتطوير، بالإضافة إلى إيجاد معايير وقوانين ثابتة وعادلة تتميز بالشفافية والوضوح.

أما بخصوص الإفصاح والشفافية والمساءلة، فيمثلون أهم المبادئ اللازمة لتحقيق وتطبيق نظام حوكمة الجهات الحكومية من خلال توفير المعلومات المالية وغير المالية الملائمة وجعلها متاحة للناس بالدقة وفي الوقت المناسب، ناهيك عن نشر التقارير الرقابية وفق أسس ومعايير محددة.
كما يحدد نظام الحوكمة مسؤوليات الإدارة العليا في الجهة الحكومية بدءا من الوزير ونائبه إلى الوكلاء، وسبل المتابعة الفعالة للإدارات التنفيذية من خلال أنظمة الرقابة الداخلية التي توفر المعلومات لكافة المستويات الإدارية بالشكل الذي يضمن الأداء الأمثل، وإضفاء المصداقية والثقة في التقارير المالية والإدارية.

ومما سبق، تم استعراض المفهوم البسيط والمتفق عليه دولياً للحوكمة، والفرق بين الشركات والجهات الحكومية عند تطبيق هذا المفهوم، وربما يصدر عن الجهات المختصة في المملكة لائحة ودليل إرشادي لتطبيق الحوكمة في القطاع الحكومي. وربما يتم تشكيل لجان للحوكمة وإنشاء وحدات المراجعة الداخلية، ولجان لإدارة المخاطر..إلخ، وإصدار معايير وسياسات حديثة، وإعادة تحديث الهياكل التنظيمية، لكن قد تكون نظم الإشراف والمتابعة مجرّد إجراءات روتينية لا تزيد في كفاءة العمل ولا تضفي على نتائجه أية فعالية. ولهذا فإن ضمان تطبيق الحوكمة يحتاج إلى وجود تقييم مستقل من جهة رقابية عليا تهدف إلى التحقق من وجود وتقييم نظام الحوكمة المطبق بالجهات الحكومية ومدى التزامها بالمعايير الصادرة عن الجهات المختصة بالدولة.

تواجه الحوكمة في الجهات الحكومية تحديات ضخمة لا يستهان بها في ظل الترهل الإداري لبعض الجهات الحكومية وتضارب المصالح وغياب المساءلة وضعف الجهات الرقابية وكذلك وحدات المراجعة الداخلية، لكن يظل الأمل معقودا على مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية والإدارات التابعة له من خلال متابعة مدى التزام الجهات الحكومية بنظام الحوكمة ورفع التقارير اللازمة إلى رئاسة المجلس مباشرةً، حيث إن ضمان تطبيق النظام سوف يحقق نقلة نوعية في الإدارة الحكومية ككل وتطوير بيئة الإدارة المحلية، وليس هذا وحسب بل سيفعل ويعزز الرقابة الحكومية وآليات المساءلة، وبهذا نكون قد حققنا خطوة هامة جداً نحو طريق إصلاح وتطوير القطاع الحكومي وتحقيق أهداف التنمية.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.